الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

400

تفسير روح البيان

إلى حد الوصال ثم يرد إلى الفترة ويقع في القبض مما كان به من صفاء الحال فيتناقص ويرجع إلى نقصان امره إلى أن يرفع قلبه من وقته ثم يجود عليه الحق فيوفقه لرجوعه عن فترته وافاقته من سكرته فلا يزال يصفو حاله إلى أن يقرب من الوصال ويرتقى إلى ذروة الكمال فعند ذلك يقول بلسان الحال ما زلت انزل من ودادك منزلا تتحير الألباب عند نزوله وفي التأويلات النجمية وبقوله ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ) يشير إلى قمر القلب فان القلب كالقمر في استفادة النور من شمس الروح أولا ثم من شمس شهود الحق تعالى ثانيا وله ثمانية وعشرون منزلا على حسب حروف القرآن كما أن للقمر ثمانية وعشرون منزلا فالقلب ينزل في كل حين منها بمنزل وهذه أسماؤها الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والضرر والطلب والظمأ والعشق والغيرة والفتوة والقربة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين فإذا صار إلى آخر منازله فقد تخلق بخلق القرآن واعتصم بحبل اللّه وله آن ان يعتصم باللّه ولهذا قال اللّه تعالى لنبيه في قطع منازل العبودية ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) ويقال للمؤمن في الجنة اقرأ وارق يعنى اقرأ القرآن وارتق في مقامات القرب وبقوله ( حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) يشير إلى سير قمر القلب في منازله فإذا الف الحق تعالى في أول منزله ثم بر بالايمان والعمل الصالح ثم تاب وتوجه إلى الحضرة ثم ثبت على تلك التوبة جعل له الجمعية مع اللّه فيستنير قمر قلبه بنور ربه حتى يصير بدرا كاملا ثم يتناقص بدنوه من شمس شهود الحق تعالى قليلا كلما ازداد دنوه من الشمس ازداد في نفسه نقصانا إلى أن يتلاشى ويخفى ولا يرى له اثر وهذا مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله ( الفقر فخرى ) لأنه عليه السلام كلما ازداد دنوه إلى الحضرة ليلة المعراج ازداد في فقره عن الوجود كما اخبر اللّه تعالى عنه بقوله ( ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) كمل هاهنا فقره عن الوجود فوجده اللّه تعالى عائلا فأغناه بجوده انتهى واعلم أن القمر مرآة قابلة لان تكتسب النور من قرص الشمس حسب المحاذاة بينهما ولما كان دور الشمس بطيئا كان ظهور اثرها دائرا على حصول الفصول الأربعة التي هي الربيع والصيف والخريف والشتاء ولما كان دور القمر سريعا كان ظهور اثره في الكون سريعا وإلى القمر ينظر القلب في سرعة الحركة ولهذا السر اسكن اللّه آدم في فلك القمر لمناسبة باطنه به في سرعة حركاته وتقلباته . ثم إن القمر مرئى مدرك واما الشمس في إشراقها واضاءتها وتلألؤ شعاعها لا تدرك كيفيتها وكميتها على ما هي عليه من تمنعها وامتناعها واحتيج إلى طريق يتوصل به إلى ابصارها بقدر الوسع فأفادت الفكرة والخبرة ان يأخذ الإنسان اناء كثيفا ويملأه ماء صافيا نظيفا ويضعه في مقابلة الشمس لتنعكس صورة من الشمس في الماء فيلاحظ الإنسان الشمس بغير دفع تلألؤ الأضواء ويراها في أسفل قعر الإناء فان اللطيف من شأنه القبول والكثيف من شأنه الإمساك فقبل الماء وامسك الإناء وهذا تدبير من يريد أبصار الشمس الظاهرة بمقلته