الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
320
تفسير روح البيان
عَذابٌ شَدِيدٌ معجل ومؤجل . فمعجله تفرقة قلوبهم وانسداد بصائرهم وخساسة همتهم حتى أنهم يرضون بان يكون معبودهم الأصنام والهوى والدنيا والشيطان . ومؤجله عذاب الآخرة وهو مما لا تخفى شدته وصعوبته وَالَّذِينَ آمَنُوا ثبتوا على الايمان واليقين وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اى الطاعات الخالصة للّه تحصيلا لزيادة نور الايمان لَهُمْ بسبب ايمانهم وعملهم الصالح الذي من جملته عداوة الشيطان مَغْفِرَةٌ عظيمة وهي في المعجل ستر ذنوبهم ولولا ذلك لافتضحوا وفي المؤجل محوها من ديوانهم ولولا ذلك لهلكوا وَأَجْرٌ كَبِيرٌ لا غاية له وهو اليوم سهولة العبادة ودوام المعرفة وما يناله في قلبه من زوائد اليقين وخصائص الأحوال وأنواع المواهب وفي الآخرة تحقيق المسؤول ونيل ما فوق المأمول قيل مثل الصالحين وما زينهم اللّه به دون غيرهم مثل جند قال لهم الملك تزينوا للعرض علىّ غدا فمن كانت زينته أحسن كانت منزلته عندي ارفع ثم يرسل الملك في السر بزينة عنده ليس عند الجند مثلها إلى خواص مملكته وأهل محبته فإذا تزينوا بزينة الملك فخروا على سائر الجند عند العرض على الملك فاللّه تعالى وفقهم للأعمال الصالحة وزينهم بالطاعات الخالصة وحلاهم بالتوجهات الصافية بتوفيقه الخاص قصدا إلى الاصطفاء والاختصاص فميزهم بها في الدنيا عن سائرهم وبأجورها العظيمة في الآخرة لمفاخرهم فليحمد اللّه كثيرا من استخدمه اللّه واستعمله في طريق طاعته وعبادته فان طريق الخدمة قلّ من يسلكه خصوصا في هذا الزمان وسبيل العشق ندر من يشرع فيها من الاخوان : قال الحافظ نشان أهل خدا عاشقيست با خود دار * كه در مشايخ شهر اين نشان نمىبينم وللّه عباد لهم قلوب الهموم عمارتها والأحزان أوطانها والعشق والمحبة قصورها وبروجها أحبك حبين حب الهوى * وحبا لأنك أهل لذاكا فاما الذي هو حب الهوى * فذكر شغلت به عن سواكا واما الذي أنت أهل له * فكشفك للحجب حتى اراكا ولا حمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا نسأل اللّه سبحانه ان يعمر قلوبنا بأنواع العمارات ويزين بيوت بواطننا بأصناف الإرادات ويحشرنا مع خواص عباده الذين لهم اجر كبير وثواب جزيل ويشرفنا بمطالعة أنوار وجهه الجميل انه المرجو في الأول والآخر والباطن والظاهر أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ [ التزيين : آراستن ] سُوءُ عَمَلِهِ اى قبيح عمله بالفارسية [ زشت وبد ] فَرَآهُ حَسَناً فظنه جميلا لان رأى إذا عدّى إلى مفعولين اقتضى معنى الظن والعلم والمعنى ابعد تباين عاقبتى الفريقين يكون من زين له الكفر من جهة الشيطان فانهمك فيه كمن استقبحه واجتنبه واختار الايمان والعمل الصالح اى لا يكون فحذف ما حذف لدلالة ما سبق عليه فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ إلى آخره تقرير له وتحقيق للحق ببيان ان الكل بمشيئة اللّه تعالى اى فإنه تعالى يضل مَنْ يَشاءُ ان يضله لاستحسانه الضلال وصرف اختياره اليه فيرده إلى أسفل سافلين وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ان يهديه لصرف اختياره إلى الهدى فيرفعه إلى أعلى عليين