الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
266
تفسير روح البيان
معجزة له قالوا فمن ذلك الوقت يسمع الصدى من الجبال وهو ما يرده الجبل على المصوت فيه فان قلت قد صح عند أهل الحقيقة ان للأشياء جميعا تسبيحا بلسان فصيح ولفظ صريح يسمعه الكمل من أهل الشهود فما معنى الفضل فيه لداود قلت الفضل موافقة الجبال له بطريق خرق العادة كما دل عليه كلمة مع فان قلت قد ثبت أيضا عندهم ان أذكار العوالم متنوعة فمتى سمع السالك من الأشياء الذكر الذي هو مشغول به فكشفه خيالي غير صحيح يعنى انه خيال أقيم له في الموجودات وليس له حقيقة وانما الكشف الصحيح الحقيقي هو ان يسمع من كل شئ ذكرا غير ذكر الآخر قلت لا يلزم من موافقة الجبال لداود ان لا يكون لها تسبيح آخر في نفسها مسموع لداود كما هي فيه والمعنى على الثاني سيرى معه حيث سار : يعنى [ سير كنيد با أو هر جا كه رود وهركاه كه خواهد واين معجزهء داود بود كه با أو روان شدى ] ولعل تخصيص الجبال بالتسبيح أو السير لأنها على صور الرجال كما دل عليه ثباتها وَالطَّيْرَ بالنصب عطفا على فضلا يعنى وسخرنا له الطير لان ايتاءها إياه عليه السلام لتسخيرها له فلا حاجة إلى إضماره ولا إلى تقدير المضاف اى تسبيح الطير كما في الإرشاد : وبالفارسية [ ومسخر كرديم ويرا مرغان تا در وقت ذكر با أو موافق بودندى ] نزل الجبال والطير منزلة العقلاء حيث نوديت نداءهم إذ ما من حيوان وجماد الا وهو منقاد لمشيئته ومطيع لامره فانظر إذ من طبع الصخور الجمود ومن طبع الطيور النفور ومع هذا قد وافقته عليه السلام فاشد منها القاسية قلوبهم الذين لا يوافقون ذكرا ولا يطاوعون تسبيحا وينفرون من مجالس أهل الحق نفور الوحوش بل يهجمون عليها باقدام الإنكار كأنهم الأعداء من الجيوش قال المولى الجامي في شرح الفصوص وانما كان تسبيح الجبال والطير لتسبيحه لأنه لما قوى توجهه عليه السلام بروحه إلى معنى التسبيح والتحميد سرى ذلك إلى أعضائه وقواه فإنها مظاهر روحه ومنها إلى الجبال والطير فإنها صور أعضائه وقواه في الخارج فلا جرم يسبحن لتسبيحه وتعود فائدة تسبيحها اليه يعنى لما كان تسبيحها ينشأ من تسبيحه لا جرم يكون ثوابه عائدا اليه لا إليها لعدم استحقاقها لذلك انتهى والحاصل ان الذكر من اللسان يعبر إلى أن يصل إلى الروح ثم ينعكس النور من الروح إلى جبال النفس وطير القلب ثم بالمداومة ينعكس من النفس إلى البدن فيستوعب جميع اجزاء البدن ظاهرها وباطنها ثم ينعكس من اجزائه العنصرية إلى العناصر الأربعة مفردها ومركبها وينعكس من النفس إلى النفوس اعني النفس النامية والنفس الحيوانية والنفس السماوية والنفس النجومية وينعكس من الروح الإنساني إلى عالم الأرواح إلى أن يستوعب جميع العالم ملكه وملكوته وإليهما الإشارة بالجبال والطير فيذكر العالم بما فيه موافقة للذاكر ثم يعبر الذكر عن المخلوقات ويصعد إلى رب العالمين كما قال ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) فيذكره اللّه تعالى فيكون ذاكرا ومذكورا متصفا بصفة الرب وبخلقه ويكون الفضل في حقه كونه مذكورا للحق ثم إن اللّه تعالى ما بعث نبيا الا حسن الوجه حسن الصوت وكان لداود عليه السلام حسن صوت جدا زائد على غيره كما أنه كان ليوسف عليه السلام حسن زائد على حسن غيره [ هر كاه كه