الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

265

تفسير روح البيان

ما بهوش نيايد وجز بلقاى ما از خود خبر نيابد ] فهذه هي حقيقة الرجوع ومن هذا القبيل ما حكى عن إبراهيم بن أدهم قدس سره انه حج إلى بيت اللّه الحرام فبينما هو في الطواف إذ بشاب حسن الوجه قد أعجب الناس حسنه وجماله فصار إبراهيم ينظر اليه ويبكى فقال بعض أصحابه انا للّه وانا اليه راجعون غفلة دخلت على الشيخ بلا شك ثم قال يا سيدي ما هذا النظر الذي يخالطه البكاء فقال إبراهيم يا أخي انى عقدت مع اللّه عقدا لا أقدر على فسخه والا كنت أدنى هذا الفتى منى واسلم عليه لأنه ولدي وقرة عيني تركته صغيرا وخرجت فارّا إلى اللّه تعالى وها هو قد كبر كما ترى وانى لأستحيي من اللّه ان أعود إلى شئ خرجت منه هجرت الخلق كلا في هواكا * وأيتمت العيال لكي اراكا فلو قطعتني في الحب اربا * لما سكن الفؤاد إلى سواكا قال بعضهم هجر النفس مواصلة الحق ومواصلة النفس هجر الحق ومن اللّه الإيصال إلى مقام الوصال وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا اعطى اللّه تعالى داود اسما ليس فيه حروف الاتصال فدل على أنه قطعه عن العالم بالكلية وشرفه بألطافه الخفية والجلية فان بين الاسم والمسمى مناسبة لا يفهمها الا أهل الحقيقة وقد صح ان الألقاب والأسماء تنزل من صوب السماء والفضل الزيادة والتنوين للنوع اى نوعا من الفضل على سائر الأنبياء مطلقا سواء كانوا أنبياء بني إسرائيل أو غيرهم كما دل عليه قوله تعالى ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) والفاضل من وجه لا ينافي كونه مفضولا من وجه آخر وهذا الفضل هو ما ذكر بعد من تأويب الجبال وتسخير الطير وإلانة الحديد فإنه معجزة خاصة به وهذا لا يقتضى انحصار فضله فيها فإنه تعالى أعطاه الزبور كما قال في مقام الامتنان والتفضل ( وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ) * قال في التأويلات النجمية والفرق بين داود وبين نبينا صلى اللّه عليه وسلم انه ذكر فضله في حق داود على صفة النكرة وهي تدل على نوع من الفضل وشئ منه وهو الفيض الإلهي بلا واسطة كما دل عليه كلمة منا وقال في حق نبينا صلى اللّه عليه وسلم ( وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) والفضل الموصوف بالعظمة يدل على كمال الفضل وكذا قوله فضل اللّه لما أضاف الفضل إلى اللّه اشتمل على جميع الفضل كما لو قال أحد دار فلان اشتملت على جميع الدور انتهى بنوع من التغيير . ويجوز ان يكون التنكير للتفخيم ومنا لتأكيد فخامته الذاتية لفخامته الإضافية على أن يكون المفضل عليه غير الأنبياء فالمعنى إذا ولقد آتينا داود بلا واسطة فضلا عظيما على سائر الناس كالنبوة والعلم والقوة والملك والصوت الحسن وغير ذلك يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ بدل من آتينا بإضمار قلنا أو من فضلا بإضمار قولنا والتأويب على معنيين . أحدهما الترجيع وهو بالفارسية [ نغمه كردانيدن ] لأنه من الأوب وهو الرجوع . والثاني السير بالنهار كله فالمعنى على الأول رجعي معه التسبيح وسبحي مرة بعد مرة قال في كشف الاسرار اوّبى سبحي معه إذا سبح وهو بلسان الحبشة انتهى : وبالفارسية [ باز كردانيدن آواز خود را با داود در وقت تسبيح أو يعنى موافقت كنيد با وى ] وذلك بان يخلق اللّه تعالى فيها صوتا مثل صوته كما خلق الكلام في شجرة موسى عليه السلام فكان كلما سبح سمع من الجبال ما يسمع من المسبح ويعقل معنى