الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

258

تفسير روح البيان

اللهم اختم لنا بالخير واعصمنا من كل سوء وضير وآمنا من البلايا وفتنة القبر ومحاسبة الحشر تمت سورة الأحزاب بعون اللّه الوهاب يوم الأحد الثامن عشر من شهر اللّه المحرم سنة عشر ومائة والف تفسير سورة سبأ اربع وخمسون آية مكية بسم اللّه الرحمن الرحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ الألف واللام لاستغراق الجنس واللام للتمليك والاختصاص اى جميع افراد المدح والثناء والشكر من كل حامد ملك للّه تعالى ومخصوص به لا شركة لاحد فيه لأنه الخالق والمالك كما قال الَّذِي لَهُ خاصة خلقا وملكا وتصرفا بالإيجاد والاعدام والاحياء والإماتة ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ اى جميع الموجودات فاليه يرجع الحمد لا إلى غيره وكل مخلوق اجرى عليه اسم المالك فهو مملوك له تعالى في الحقيقة وان الزنجي لا يتغير عن لونه لان سمى كافورا والمراد على نعمه الدنيوية فان السماوات والأرض وما فيها خلقت لانتفاعنا فكلها نعمة لنا دينا ودنيا فاكتفى بذكر كون المحمود عليه في الدنيا عن ذكر كون الحمد أيضا فيها وقد صرح في موضع آخر كما قال ( لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ ) وهذا القول اى الحمد للّه إلخ وان كان حمدا لذاته بذاته لكنه تعليم للعباد كيف يحمدونه وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ بيان لاختصاص الحمد الأخروي به تعالى اثر بيان اختصاص الدنيوي به على أن الجار متعلق اما بنفس الحمد أو بما تعلق به الخبر من الاستقرار وإطلاقه عن ذكر ما يشعر بالمحمود عليه ليعم النعم الأخروية كما في قوله ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ ) وقوله ( الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ ) الآية وما يكون ذريعة إلى نيلها من النعم الدنيوية كما في قوله ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا ) اى لما جزاؤه هذا من الايمان والعمل الصالح يقال يحمده أهل الجنة في ستة مواضع أحدها حين نودي ( وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ) فإذا يميز المؤمنون من الكافرين يقولون ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) كما قال نوح عليه السلام حين أنجاه اللّه من قومه والثاني حين جاوزوا الصراط قالوا ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) والثالث لما دنوا إلى باب الجنة واغتسلوا بماء الحياة ونظروا إلى الجنة قالوا ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا ) والرابع لما دخلوا الجنة واستقبلتهم الملائكة بالتحية قالوا ( الحمد للّه الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ ) والخامس حين استقروا في منازلهم قالوا ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ) والسادس كلما فرغوا من الطعام قالوا ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) والفرق بين الحمدين مع كون نعمتي الدنيا والآخرة بطريق التفضل ان الأول على نهج العبادة والثاني على وجه التلذذ كما يتلذذ العطشان بالماء البارد لا على وجه الفرض والوجوب وقد ورد في الخبر ( انهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس ) [ وكفته‌اند مجموع أهل آخرت مرو را حمد كويند دوستان أو را بفضل ستايند ودشمنان بعدل ] يقول الفقير فيه نظر لان الآخرة المطلقة كالعاقبة الجنة مع أن المقام يقتضى ان يكون ذلك من ألسنة أهل الفضل إذ لا اعتبار بحال أهل