الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

127

تفسير روح البيان

الفرع من الإلهام بجامع الموافقة وقد ثبت ان العلماء ورثة الأنبياء فعلومهم علومهم ففي الاتباع لهم في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم اجر كثير وثواب عظيم ونجاة من المهالك كما قال الحافظ يار مردان خدا باش كه در كشتىء نوح * هست خاكى كه بآبى نخرد طوفانرا إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ يقضى بَيْنَهُمْ بين الأنبياء وأممهم المكذبين أو بين المؤمنين والمشركين يَوْمَ الْقِيامَةِ فيميز بين المحق والمبطل [ وهر يك را مناسب أو جزا دهد ] وكلمة هو للتخصيص والتأكيد وان ذلك الفصل يوم القيامة ليس الا اليه وحده لا يقدر عليه أحد سواه ولا يفوّض إلى من عداه فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمور الدين هنا اى في الدنيا قال بعض الكبار ان اللّه تبارك وتعالى يحكم بين عباده لوجوه . أو لها لعزتهم لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين بل هو بفضله وكرمه يكون حاكما عليهم . وثانيها غيرة عليهم لئلا يطلع على أحوالهم أحد غيره . وثالثها رحمة وكرما فإنه ستار لا يفشى عيوبهم ويستر عن الأغيار ذنوبهم . ورابعها لأنه كريم ومن سنة الكرام انهم إذا مروا باللغو مروا كراما . وخامسها فضلا وعدلا لأنه الخالق الحكيم الذي خلقهم وما يعملون على مقتضى حكمته ووفق مشيئته فان رأى منهم حسنا فذلك من نتائج إحسانه وفضله وان رأى منهم قبيحا فذلك من موجبات حكمته وعدله وانه ( لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ) الآية . وسادسها عناية وشفقة فإنه تعالى خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم فلا يجوز من كرمه ان يخسروا عليه . وسابعها رحمة ومحبة فإنه تعالى بالمحبة خلقهم لقوله ( فأحببت ان اعرف فخلقت الخلق لأعرف ) وللمحبة خلقهم لقوله ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضى وعين الرضى عن كل عيب كليلة . وثامنها لطفا وتكريما فإنه نادى عليهم بقوله ( وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ) فلا يهين من كرّمه . وتاسعها عفوا وجودا فإنه تعالى عفو يحب العفو فان رأى جريمة في جريدة العبد يحب عفوها وانه جواد يحب ان يجود عليه بالمغفرة والرضوان . وعاشرها انه تعالى جعلهم خزائن أسراره فهو اعلم بحالهم واعرف بقدرهم فإنه خمر طينتهم بيده أربعين صباحا وجعلهم مرآة يظهر بها جميع صفاته عليهم لا على غيرهم ولو كان الملائكة المقربين ألا ترى انه تعالى لما قال ( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ) فما عرفوهم حق معرفتهم حتى قال تعالى فيهم عزة وكرامة ( إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ) اى من فضائلهم وشمائلهم فإنهم خزائن أسراري ومرآة جمالى وجلالي فأنتم تنظرون إليهم بنظر الغيرة وانا انظر إليهم بنظر المحبة والرحمة فلا ترون منهم الا كل قبيح ولا أرى منهم الا كل جميل فلا ارضى ان أجعلكم حاكما بينهم بل بفضلي وكرمى انا افصل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون فأحسن إلى محسنهم وأتجاوز عن مسيئهم فلا يكبر علىّ اختلافهم لعلمي بحالهم انهم لا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم فعلى العاقل ان يرفع الاختلاف من البين ولا يقع