الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
128
تفسير روح البيان
في البين فان اللّه تعالى قد هدى بهداية القرآن إلى طريق القربات ولكن ضل عن الاتفاق الأعضاء والقوى في قطع العقبات اللهم ارحم انك أنت الجواد الأكرم أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ تخويف لكفار مكة اى اغفلوا ولم يبين لهم مآل أمرهم والفاعل ما دل عليه قوله كَمْ أَهْلَكْنا اى كثرة إهلاكنا لان كم لا يقع فاعلا فلا يقال جاءني كم رجل مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ مثل عاد وثمود وقوم لوط . والقرن اسم لسكان الأرض عصرا والقرون سكانها على الأعاصير يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ الجملة حال من ضميرهم يعنى أهل مكة يمرون في متاجرهم على ديار الهالكين وبلادهم ويشاهدون آثار هلاكهم وخراب منازلهم إِنَّ فِي ذلِكَ الإهلاك وما يتعلق به من الآثار لَآياتٍ حججا ومواعظ لكل مستبصر ومعتبر : وبالفارسية [ عبرتهاست مر أمم آتيه را ] أَ فَلا يَسْمَعُونَ آيات اللّه ومواعظه سماع تدبر واتعاظ فينتهوا عماهم عليه من الكفر والتكذيب كسى را كه پندار در سر بود * مپندار هركز كه حق بشنود ز علمش ملال آيد از وعظ ننك * شقايق بباران نرويد ز سنك أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ السوق [ راندن ] والمراد سوق السحاب الحامل للماء لأنه هو الذي ينسب إلى اللّه تعالى واما السقي بالأنهار فمنسوب إلى العبد وان كان الإنبات من اللّه تعالى ولما كان هذا السوق وما بعده من الإخراج محسوسا حمل بعضهم الرؤية على البصرية ويدل عليه أيضا آخر الآية وهو أفلا يبصرون وقال في بحر العلوم حملا على المقصود من النظر اى قد علموا انا نسوق الماء : وبالفارسية [ آيا نمىبينند ونميدانند كه ما آب را در ابر ميرانيم ] إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ اى التي حرز نباتها اى قطع وأزيل بالكلية لعدم المطر أو لغيره كالرعى لا التي لا تنبت لقوله فَنُخْرِجُ من تلك الأرض بِهِ اى بسبب ذلك الماء المسوق زَرْعاً [ كشتزارها وغلات وأشجار ] وهو في الأصل مصدر عبر به عن المزروع تَأْكُلُ مِنْهُ اى من ذلك الزرع أَنْعامُهُمْ [ چهارپايان ايشان ] كالتبن والقصيل والورق وبعض الحبوب المخصوصة بها وَأَنْفُسُهُمْ كالحبوب التي يقتاتها الإنسان والثمار أَ فَلا يُبْصِرُونَ اى ألا ينظرون فلا يبصرون ذلك فيستدلون به على وحدته وكمال قدرته وفضله تعالى وانه الحقيق بالعبادة وان لا يشرك به بعض خلقه من ملك وانسان فضلا عن جماد لا يضر ولا ينفع وأيضا فيعلمون انا نقدر على اعادتهم واحيائهم قال ابن عطاء في الآية نوصل بركات المواعظ إلى القلوب القاسية المعرضة عن الحق فتتعظ بتلك المواعظ قال بعضهم يسوق مياه معرفته من بحار تجلى جلاله إلى ارض القلوب الميتة فينبت نرجس الوصلة وياسمين المودة وريحان المؤانسة وبنفسج الحكمة وزهر الفطنة وورد المكاشفة وشقائق الحقيقة وقال بعضهم نسوق ماء الهداية إلى القلوب الميتة فنسقى حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها فيعود عودها مورقا بعد ذبوله حاكيا لحالة حال حصوله فنخرج به زرعا من الواردات التي تصلح لزينة النفوس ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب ولا يخفى ان الهداية على أنواع فهداية الكافر