الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
117
تفسير روح البيان
استعداد مباشرة لطفه فاللطيف يرجع إلى اللطيف والكثيف يرجع إلى الكثيف ولو شاء لجعل الناس كلهم عارفين به ولكن جرى القلم في الأزل بالوعد والوعيد كما قال ابن عطاء قدس سره لو شئنا لوفقنا كل عبد لرضانا ولكن حق القول بالوعد والوعيد ليتم الاختيار وسئل الشبلي قدس سره عن هذه الآية فقال يا رب املأ نارك من الشبلي واعف عن عبيدك ليتروح الشبلي بتعذيبك كما يتروح جميع العباد بالعوافي وذلك ان من استوى عنده اللطف والقهر بالوصول إلى الأصل رأى مقصوده في كل واحد منهما كما رأى أيوب عليه السلام المبتلى في بلائه فطاب وقته وحاله وصفا باله في عين الكدر ما بلا خواهيم وزاهد عافيت * هر متاعي را خريدارى فتاد وعن الحسن قال خطبنا أبو هريرة رضى اللّه عنه على منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال سمعت رسول اللّه يقول ( ليعتذرن اللّه إلى آدم ثلاث معاذير يقول اللّه يا آدم لولا انى لعنت الكذابين وأبغضت الكذب والخلف وأعذب عليه لرحمت اليوم ولدك أجمعين من شدة ما أعددت لهم من العذاب ولكن حق القول منى لئن كذب رسلي وعصى امرى لا ملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين . ويقول اللّه يا آدم اعلم انى لا ادخل من ذريتك النار أحدا ولا أعذب منهم بالنار أحدا الا من قد علمت بعلمي انى لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى أشر مما كان فيه ولم يرجع ولم يتب ويقول اللّه قد جعلتك حكما بيني وبين ذريتك قم عند الميزان فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة فله الجنة حتى تعلم انى لا ادخل منهم الا ظالما ) واعلم أن اللّه تعالى يملأ جهنم من الأقوياء كما يملأ الجنة من الضعفاء بدليل قوله عليه السلام ( إذا ملئت جهنم تقول الجنة ملأت جهنم من الجبابرة والملوك والفراعنة ولم تملأنى من ضعفاء خلقك فينشىء اللّه خلقا عند ذلك فيدخلهم الجنة فطوبى لهم من خلق لم يذوقوا موتا ولم يروا سوأ بأعينهم ) رواه انس رضى اللّه عنه . وقوله عليه السلام ( تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت ) اى فضلت ( بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة انى لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم فقال اللّه للنار أنت عذابي أعذبك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها ) رواه أبو هريرة رضى اللّه عنه كذا في بحر العلوم فَذُوقُوا الفاء لترتيب الأمر بالذوق على ما يعرب عنه ما قبله من نفى الرجع إلى الدنيا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا النسيان ترك الإنسان ضبط ما استودع اما لضعف قلب واما عن غفلة أو قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره وكل نسيان من الإنسان ذمه اللّه به فهو ما كان أصله من تعمد كما في هذه الآية وأشار بالباء إلى أنه وان سبق القول في حق التعذيب لكنه كان بسبب موجب من جانبهم أيضا فان اللّه قد علم منهم سوء الاختيار وذلك السبب هو نسيانهم لقاء هذا اليوم الهائل وتركهم التفكر فيه والاستعداد له بالكلية بالاشتغال باللذات الدنيوية وشهواتها فان التوغل فيها يذهل الجن والانس عن تذكر الآخرة وما فيها من لقاء اللّه ولقاء جزائه ويسلط عليهم نسيانها وإضافة اللقاء إلى اليوم كإضافة المكر في قوله ( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) اى لقاء اللّه في يومكم هذا وفي التأويلات النجمية يشير إلى انكم كنتم في الغفلة والنائم لا يذوق ألم ما عليه من العذاب ما دام نائما ولكنه إذا انتبه من نومه