الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

477

تفسير روح البيان

الجزء الحادي والعشرون من الاجزاء الثلاثين وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ المجادلة والجدال [ پيكار سخت كردن با يكديكر ] كما في التاج قال الراغب الجدال المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة وأصله من جدلت الحبل اى أحكمت فتله فكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه . والمعنى ولا تخاصموا اليهود والنصارى : وبالفارسية [ وپيكار مكنيد وجدال منماييد با أهل كتاب ] إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ اى بالخصلة التي هي أحسن كمعاملة الخشونة باللين والغضب بالحلم والمشاغبة اى تحريك الشر واثارته بالنصح اى بتحريك الخير واثارته والعجلة بالتأنى والاحتياط على وجه لا يؤدى إلى الضعف ولا إلى إعظام الدنيا الدنية إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بالإفراط في الاعتداء والعناد فان الكافر إذا وصف بمثل الفسق والظلم حمل على المبالغة فيما هو فيه أو بإثبات الولد وهم أهل نجران أو بنبذ العهد ومنع الجزية ونحو ذلك فإنه يجب حينئذ الموافقة بما يليق بحالهم من الغلظة باللسان وبالسيف والسنان وَقُولُوا آمَنَّا بالصدق والإخلاص بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا من القرآن وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ اى وبالذي انزل إليكم من التوراة والإنجيل وسمع النبي عليه السلام ان أهل الكتاب يقرأون التوراة ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا باللّه وبكتبه وبرسله فان قالوا باطلا لم تصدقوهم وان قالوا حقا لم تكذبوهم ) قال ابن الملك انما نهى عن تصديقهم وتكذيبهم لأنهم حرفوا كتابهم وما قالوه ان كان من جملة ما غيروه فتصديقهم يكون تصديقا بالباطل وان لم يكن كذلك يكون تكذيبهم تكذيبا لما هو حق وهذا أصل في وجوب التوقف فيما يشكل من الأمور والعلوم فلا يقضى فيه بجوار ولا بطلان وعلى هذا كان السلف رحمهم اللّه وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ لا شريك له في الألوهية وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ اى مطيعون له خاصة وفيه تعريض بحال الفريقين حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه وَكَذلِكَ إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده اى ومثل ذلك الانزال البديع الموافق لانزال سائر الكتب أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ اى القرآن فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ من الطائفتين يُؤْمِنُونَ بِهِ أريد بهم عبد اللّه بن سلام واضرابه من أهل الكتاب خاصة كأن من عداهم لم يؤتوا الكتاب حيث لم يعملوا بما فيه أو من تقدم عهد الرسول عليه السلام حيث كانوا مصدقين بنزوله حسبما شاهدوا في كتابيها ومنهم قس بن ساعدة وبحيرا ونسطورا وورقة وغيرهم وتخصيصهم بايتاء الكتاب للايذان بان من بعدهم من معاصري رسول اللّه قد نزع عنهم الكتاب بالنسخ فلم يؤتوه والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فان ايمانهم به مترتب على انزاله على الوجه المذكور