الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

364

تفسير روح البيان

وللاثنين من المذكر والمؤنث هانيا دون هاتا من غير أن فرقوا في الأمر لهما كما لم يفرقوا بينهما في ضمير المثنى في مثل قولك غلامهما وضربهما ولا في علامة التثنية التي في قولك الزيدان والهندان وكان الأصل في هات آت المأخوذ من آتى اى اعطى فقلبت الهمزة هاء كما قلبت في أرقت الماء وفي إياك فقيل هرقت وهياك وفي ملح العرب ان رجلا قال لاعرابى هات فقال واللّه ما اهاتيك اى ما أعطيك : ومعنى هاتوا بالفارسية [ بياريد ] بُرْهانَكُمْ عقليا أو نقليا يدل على أن معه تعالى الها آخر والبرهان أوكد الأدلة وهو الذي يقتضى الصدق ابدا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ اى في تلك الدعوى ثم بين تعالى تفرده بعلم الغيب تكميلا لما قبله من اختصاصه بالقدرة التامة وتمهيدا لما بعده من امر البعث فقال قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ من الملائكة وَالْأَرْضِ من الانس والجن الْغَيْبَ وهو ما غاب عن العباد كالساعة ونحوها وسيجيئ بيانه إِلَّا اللَّهُ اى لكن اللّه وحده يعلمه فالاستثناء منقطع والمستثنى مرفوع على أنه بدل من كلمة من على اللغة التميمية واما الحجازيون فينصبونه وَما يَشْعُرُونَ يعنى البشر اى لا يعلمون أَيَّانَ يُبْعَثُونَ متى ينشرون من القبور فايان مركبة من أي وآن فأي للاستفهام وآن بمعنى الزمان فلما ركبا وجعلا اسما واحدا بنيا على الفتح كبعلبك وفي التأويلات النجمية يشير إلى أن للغيب مراتب غيب هو غيب أهل الأرض في الأرض وفي السماء وللانسان إمكان تحصيل علمه وهو على نوعين . أحدهما ما غاب عنك في ارض الصورة وسمائها مثل غيبة شخص عنك أو غيبة امر من الأمور ولك إمكان إحضار الشخص والاطلاع على الأمر الغائب وفي السماء مثل علم النجوم والهيئة ولك إمكان تحصيله بالتعلم وان كان غائبا عنك . وثانيهما ما غاب عنك في ارض المعنى وهو ارض النفس فان فيها مخبئات من الأوصاف والأخلاق مما هو غائب عنك كيفية وكمية ولك إمكان الوقوف عليها بطريق المجاهدة والرياضة والذكر والفكر وسماء المعنى وهو سماء القلب فان فيها مخبئات من العلوم والحكم والمعاني مما هو غائب عنك ولك إمكان الوصول اليه بالسير عن مقامات النفس والسلوك في مقامات القلب وغيب هو غيب أهل الأرض في الأرض والسماء أيضا وليس للانسان إمكان الوصول اليه الا بإرادة الحق تعالى كما قال ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) وغيب وهو غيب أهل السماء في السماء والأرض ليس لهم إمكان الوصول اليه الا بتعليم الحق تعالى مثل الأسماء كما ( أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا ) ومن هنا تبين لك ان اللّه تعالى قد كرم آدم بكرامة لم يكرم بها الملائكة وهو اطلاعه على مغيبات لم يطلع عليها الملائكة وذلك بتعليمه علم الأسماء كلها وغيب هو مخصوص بالحضرة ولا سبيل لأهل السماوات والأرض إلى علمه الا لمن ارتضى له كما قال ( فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ) وبهذا استدل على فضيلة الرسل على الملائكة لان اللّه استخصهم باظهارهم على غيبه دون الملائكة ولهذا أسجدهم لآدم لأنه كان مخصوصا بإظهار اللّه إياه على غيبه ولذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ( ان اللّه خلق آدم فتجلى فيه ) وغيب استأثر اللّه بعلمه وهو