الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
349
تفسير روح البيان
ان سليمان لم يكن قادرا على الإتيان بعرشها ولم يكن له ولاية هذه الكرامات فإنه أمرهم بذلك لاظهار أهل الكرامات من أمته ولان كرامات الأولياء من جملة معجزات الأنبياء فإنها دالة على صدق نبوتهم وحقيقة دينهم أيضا انتهى قال الشيخ داود القيصري رحمه اللّه خوارق العادات قلما تصدر من الأقطاب والخلفاء بل من وزرائهم وخلفائهم لقيامهم بالعبودية التامة واتصافهم بالفقر الكلى فلا يتصرفون لأنفسهم في شئ ومن جملة كمالات الأقطاب ومنن اللّه عليهم ان لا يبتليهم بصحبة الجهلاء بل يرزقهم صحبة العلماء والأمناء يحملون عنهم أثقالهم وينفذون أحكامهم وأقوالهم كآصف وسليمان وقال بعض العارفين لا يلزم لمن كان كامل زمانه ان يكون له التقدم في كل شئ وفي كل مرتبة كما أشار اليه عليه السلام بقوله في قصة تأبير النخل ( أنتم اعلم بأمور دنياكم ) فذلك لا يقدح في مقام الكامل لان التفرد بكل كمال لحضرة الألوهية والربوبية وما سواه وسيم بالعجز والنقص ولكل أحد اختصاص من وجه في الكمال الخاص كموسى والخضر عليهما السلام وان كان الكليم أفضل زمانه كسليمان عليه السلام فانظر سر الاختصاص في قوله ( فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ) مع الخليفة أبيه داود حين اختلف رجل وامرأة في ولد لهما اسود فقالت المرأة هو ابن هذا الرجل وأنكر الرجل فقال سليمان هل جامعتها في حال الحيض فقال نعم قال هو لك وانما سود اللّه وجهه عقوبة لكما فهذا من باب الاختصاص قالَ عِفْرِيتٌ مارد خبيث مِنَ الْجِنِّ بيان له إذ يقال للرجل الخبيث المنكر المعفر لاقرانه عفريت وفي المفردات العفريت من الجن هو الفاره الخبيث ويستعار ذلك للانسان استعارة الشيطان له انتهى مأخوذ من العفر محركة ويسكن وهو ظاهر التراب فكأنه يصرع قرنه عليه ويمرغه فيه وأصله عفر زيدت فيه التاء مبالغة كما في الكواشي وكان اسم ذلك العفريت ذكوان وفي فتح الرحمن كوذى أو إصطخر سيد الجن وكان قبل ذلك متمردا على سليمان وإصطخر فارس تنسب اليه وكان الجنى كالجبل العظيم يضع قدمه عند منتهى طرفه أَنَا آتِيكَ بِهِ اى بعرشها قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ اى من مجلسك للحكومة وكان يجلس إلى نصف النهار وآتيك اما صيغة مضارع . فالمعنى بالفارسية [ من بيارم آنرا بتو ] أو فاعل . والمعنى [ من آرندهام آنرا بتو ] وهو الأنسب لمقام ادعاء الإتيان بلا محالة وأوفق بما عطف عليه من الجملة الاسمية اى انا آت به في تلك المدة البتة وَإِنِّي عَلَيْهِ اى على الإتيان لَقَوِيٌّ لا يثقل علىّ حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر والنفائس ولا ابد له بغيره قالَ حين قال سليمان أريد اسرع من هذا يعنى [ زودترا زين خواهم ] الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ وهو آصف بن برخيا بن خالة سليمان وزيره وكاتبه ومؤدبه في حال صغره وكان رجلا صديقا يقرأ الكتب الإلهية ويعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعى اللّه به أجاب وقد خلقه اللّه لنصرة سليمان ونفاذ امره فالمراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة على موسى وإبراهيم وغيرهما أو اللوح وأسراره المكتومة وقال المعتزلة المراد به جبرائيل وذلك لأنهم لا يرون كرامة الأولياء أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ الارتداد الرجوع والطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر