الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
3
تفسير روح البيان
تعالى وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها اى تلقى وتسقط جنينها لغير تمام من شدة ما غشيها والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الشجر وبالكسر ما كان على الظهر وفي التأويلات النجمية يشير إلى مواد الأشياء فان لكل شئ مادة هي ملكوته ترضع رضيعها من الملك وذهولها عنه بهلاك استعدادها للارضاع وذات حمل هي ما تسمى هيولى فإنها حامل بالصور اى تسقط حمل الصور الشهادية املاك الهيولى وَتَرَى النَّاسَ أهل الموقف سُكارى جمع سكران اى كأنهم سكارى وافراد الخطاب هنا بعد جمعه في ترونها لان الزلزلة يراها الجميع لكونها امرا مغايرا للناس بخلاف الحالة القائمة بهم من اثر السكر فان كل أحد لا يرى الا ما قام بغيره والسكر حالة تعرض بين المرء وعقله وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب وقد يعترى من الغضب والعشق ولذا قال الشاعر سكران سكر هوى وسكر مدامة ومنه سكرات الموت قال جعفر رضى اللّه عنه اسكرهم ما شاهدوا من بساط العز والجبروت وسرادق الكبرياء حتى الجأ النبيين إلى أن قالوا نفسي نفسي در ان روز كز فعل پرسند وقول * أولوا العزم را تن بلرزد ز هول بجايى كه دهشت خورد أنبيا * تو عذر كنه را چه دارى بيا وَما هُمْ بِسُكارى حقيقة قال الكاشفي [ زيرا زوال عقل از خوف وحيرت سكر نباشد واگر رأى العين مانند سكر نمايد ] وفيه إشارة إلى أن الصور الأخروية وان كانت مثل الصور الدنيوية في ظاهر النظر لكن بين الحقيقتين تخالف ولذا قال ابن عباس رضى اللّه عنهما لا يشبه شئ مما في الجنة شيئا مما في الدنيا الا بالاسم واعلم أن السكر من أنواع شتى . فمن شراب الغفلة والعصيان . ومن حب الدنيا وشهواتها . ومن التنعم . ومن لذة العلم . ومن الشوق . ومن المحبة . ومن الوصال . ومن المعرفة . ومن المحبية والمحبوبية كما قال بعضهم لي سكرتان وللندمان واحدة * شئ خصصت به من بينهم وحدي وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فغشيهم هوله وطير عقولهم وسلب تمييزهم وللعذاب نيران نار جهنم ونار القطيعة والفراق ونار الاشتياق ونار الفناء في النار والبقاء بالنار كقوله تعالى ( أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها ) وكانت استغاثة النبي عليه السلام بقوله ( كلميني يا حميراء ) من فوران هذه النار وهيجانها واللّه اعلم قال يحيى بن معاذ الرازي رحمه اللّه لو أمرني اللّه ان اقسم العذاب بين الخلق ما قسمت للعاشقين عذابا : قال الحافظ هر چند غرق بحر كناهم ز صد جهت * كر آشناى عشق شوم ز أهل رحمتم قال بعضهم نزلت هاتان الآيتان في غزوة بنى المصطلق ليلا فقرأهما رسول اللّه على أصحابه فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول ولم يطبخوا قدرا وكانوا بين حزين وباك ومفكر فقال عليه السلام ( أتدرون اى يوم ذلك ) فقالوا اللّه ورسوله اعلم قال ( ذلك يوم يقول اللّه لآدم يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول اخرج بعث النار فيقول من كل كم قال من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعين ) قال عليه السلام ( فذلك ) اى التقاول ( حين يشيب الصغير وتضع كل ذات