الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

268

تفسير روح البيان

من العقاب فَوَهَبَ لِي رَبِّي حين رجعت من مدين حُكْماً اى علما وحكمة وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ إليكم وفي فتح الرحمن حكما اى نبوة وجعلني من المرسلين درجة ثانية للنبوة فرب نبي ليس برسول قال بعض الكبار ان اللّه تعالى إذا أراد ان يبلغ أحدا من خلقه إلى مقام من المقامات العالية يلقى عليه رعبا حتى يفر اليه من خلقه فيكشف له خصائص أسراره كما فعل بموسى عليه السلام ومعاصي الخواص ليست كمعاصى غيرهم فإنهم لا يقعون فيها بحكم الشهوة الطبيعية بل بحسب الخطا وذلك مرفوع وَتِلْكَ اى التربية المدلول عليها بقوله ( أَ لَمْ نُرَبِّكَ ) نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ اى تمن بها علىّ ظاهرا وهي في الحقيقة أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ اى تعبيدك بني إسرائيل وقصدك إياهم بذبح أبنائهم فان السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك يعنى لو لم يفعل فرعون ذلك اى قهر بني إسرائيل وذبح أبنائهم لتكفلت أم موسى بتربيته ولما قذفته في اليم حتى يصل إلى فرعون ويربى بتربيته فكيف يمتن عليه بما كان بلاؤه سببا له قوله تلك مبتدأ ونعمة خبرها وتمنها علىّ صفة وان عبدت خبر مبتدأ محذوف اى وهي في الحقيقة تعبيد قومي . والتعبيد : بالفارسية [ دام كردن وببندگى كرفتن ] يقال عبدته إذا أخذته عبدا وقهرته وذللته رد موسى عليه السلام أولا ما وبخه فرعون قدحا في نبوته ثم رجع إلى ما عده عليه من النعمة ولم يصرح برده حيث كان صدقا غير قادح في دعواه بل نبه على أن ذلك كان في الحقيقة نعمة لكونه مسببا عنها قال بعضهم بدأ فرعون بكلام السفلة ومنّ على نبي اللّه بما أطعمه والمنة النعمة الثقيلة ويقال ذلك على وجهين أحدهما ان يكون ذلك بالفعل فيقال من فلان على فلان إذا أثقله بالنعمة وعلى ذلك قوله تعالى ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) وذلك في الحقيقة لا يكون الا للّه تعالى والثاني ان يكون ذلك بالقول وذلك مستقبح فيما بين الناس الا عند كفران النعمة ولقبح ذلك قيل المنة تهدم الصنيعة ولحسن ذكرها عند الكفران قيل إذا كفرت النعمة حسنت المنة اى عد النعمة قال محمد بن علي الترمذي قدس سره ليس من الفتوة تذكار الصنائع وتعدادها على من اصطنعت اليه ألا ترى إلى فرعون لما لم يكن له فتوة كيف ذكر صنيعه وامتن به على موسى از ناكسان دهر ثبوت طمع مدار * از طبع دير خاصيت آدمي مجوى اعلم أن اللّه تعالى جعل موسى عليه السلام مظهر صفة لطفه بان جعله نبيا مرسلا وله في هذا المعنى كمالية لا يبلغها الا بالتربية ومقاساة شدائد الرسالة مع فرعون وجعل فرعون مظهر صفة قهره بان جعله مكذبا لموسى ومعاندا له وكان لفرعون كمالية في التمرد والآباء والاستكبار لم يبلغها إبليس ليعلم ان للانسان استعدادا في اظهار صفة اللطف لم يكن للملك ولذلك صار الإنسان مسجودا للملك والملك ساجده ولو لم يكن موسى عليه السلام داعيا لفرعون إلى اللّه تعالى وهو مكذبه لم يبلغ فرعون إلى كماليته في التمرد ليكون مظهر الصفة القهر بالتربية في التمرد كذا في التأويلات النجمية وقس عليهما كل موسى وكل فرعون في كل عصر إلى قيام الساعة فان الأشياء تتبين بالاضداد وتبلغ إلى كمالها قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ما استفهامية معناها أي شئ والرب المربى والمتكفل لمصلحة الموجودات والعالم اسم لما سوى اللّه تعالى