الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
257
تفسير روح البيان
وفي الآية معان اخر والأظهر عند المحققين ما ذكرناه فَقَدْ كَذَّبْتُمْ بيان لحال الكفرة من الناس اى فقد كذبتم أيها الكفرة بما أخبرتكم به حيث خالفتموه وخرجتم عن أن يكون لكم عنه اللّه اعتناء بشأنكم واعتبار أو وزن ومقدار فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً مصدر كالقتال أقيم مقام الفاعل كما يقام العدل في مقام العادل اى يكون جزاء التكذيب أو اثره وهو الافعال المتفرعة عليه لازما يحيق بكم لا محالة حتى يكبكم في النار اى يصرعكم على وجوهكم كما يعرب عنه الفاء الدالة على لزوم ما بعدها لما قبلها وانما أضمر من غير ذكر للايذان بغاية ظهوره وتهويل امره للتنبيه على أنه مما لا يكتنهه الوصف والبيان وعن بعضهم ان المراد بالجزاء جزاء الدنيا وهو ما وقع يوم بدر قتل منهم وأسر سبعون ثم اتصل به عذاب الآخرة لازما لهم : قال الشيخ سعدى قدس سره رطب ناورد چوب خر زهره بار * چه تخم افكنى بر همان چشم دار واعلم أن الكفار أبطلوا الاستعداد الفطري وأفسدوا القوى بالإهمال فكان حالهم كحال النوى فإنه محال ان ينبت منه الإنسان تفاحا فاصل الخلق والقوة لا يتغير البتة ولكن كما أن في النوى إمكان ان يخرج ما في قوته إلى الوجود وهو النخل بالتفقد والتربية وان يفسد بالإهمال والترك فكذا في الإنسان إمكان إصلاح القوة وإفسادها ولولا ذلك لبطل فائدة المواعظ والوصايا والوعد والوعيد والأمر والنهى ولا يجوز العقل ان يقال للعبد لم فعلت ولم تركت وكيف يكون هذا في الإنسان ممتنعا وقد وجدناه في بعض البهائم ممكنا فالوحشى قد ينتقل بالعادة إلى التأنس والجامح إلى السلاسة فالتوحيد والتصديق والطاعة امر ممكن من الإنسان بإزالة الشرك والتكذيب والعصيان وقد خلق لأجلها كما قال ابن عباس رضى اللّه عنهما في الآية قل ما يعبأ بخلقكم ربى لولا عبادتكم وطاعتكم إياه . يعنى انه خلقكم لعبادته كما قال ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) فالحكمة الإلهية والمصلحة الربانية من الخلق هي الطاعة وافعال اللّه تعالى وان لم تكن معللة بالأغراض عند الأشاعرة لكنها مستتبعة لغايات جليلة قال الامام الراغب الإنسان في هذه الدار الدنيا كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه الناس سفر والدار دار ممرّ لا دار مقر وبطن أمه مبدأ سفره والآخرة مقصده وزمان حياته مقدار مسافته وسنوه منازله وشهوره فراسخه وأيامه امياله وأنفاسه خطاه ويسار به سير السفينة براكبها كما قال الشاعر رأيت أخا الدنيا وان كان ثاويا * أخا سفر يسرى به وهو لا يدرى وقد دعى إلى دار السلام لكن لما كان الطريق إليها مشكلة مظلمة جعل اللّه لنا من العقل الذي ركبه فينا وكتبه التي أنزلها علينا نورا هاديا ومن عبادته التي كتبها علينا وأمرنا بها حصنا واقيا فمن قال هذه الطاعات جعلها اللّه عذابا علينا من غير تأويل كفر فان اوّل مراده بالتعب لا يكفر ولو قال لو لم يفرض اللّه تعالى كان خيرا لنا بلا تأويل كفر لان الخير فيما اختاره اللّه الا ان يؤول ويريد بالخير الأهون والأسهل نسأل اللّه ان يسهلها علينا في الباطن والظاهر والأول والآخر