الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
256
تفسير روح البيان
قال بعض الكبار من أراد ان يعرف بعض محبة الحق أو محبة له فلينظر إلى حاله الذي هو عليه من اتباع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه والأئمة المجتهدين بعده فان وجد نفسه على هداهم وأخلاقهم من الزهد والورع وقيام الليل على الدوام وفعل جميع المأمورات الشرعية وترك جميع المنهيات حتى صار يفرح بالبلايا والمحن وضيق العيش وينشرح لتحويل الدنيا ومناصبها وشهواتها عنه فليعلم ان اللّه يحبه والا فليحكم بان اللّه يبغضه والإنسان على نفسه بصيرة . وفي الإكثار من النوافل توطئة لمحبة اللّه تعالى قال عليه السلام حاكيا عن اللّه تعالى ( ما تقرب المتقربون الىّ بمثل أداء ما فرضت عليهم ولا يزال عبدي يتقرب الىّ بالنوافل حتى أحبه ) ومن آثار محبته تعالى لعبده المطيع له إعطاء الغرفة العالية له في الجنة لعلو قدره ومنزلته عنده وإذا وقع التجلي الإلهي يكونون جلوسا على مراتبهم فالأنبياء على المنابر والأولياء على الأسرة والعلماء باللّه على الكراسي والمؤمنون المقلدون في توحيدهم على مراتب وذلك الجلوس كله يكون في جنة عدن عند الكثيب الأبيض واما من كان موحدا من طريق النظر في الأدلة فيكون جالسا على الأرض وانما نزل هذا عن الرتبة التي للمقلد في التوحيد لأنه تطرقه الشبه من تعارض الأدلة والمقالات في اللّه وصفاته فمن كان تقليده للشارع جزما فهو أوثق ايمانا ممن يأخذ توحيده من النظر في الأدلة ويؤولها واعلم أن اللّه تعالى انما ذكر الغرفة في الحقيقة لأجل الطامعين الراغبين فيها واما خواص عباده فليس لهم طمع في شئ سوى اللّه تعالى فلهم فوق الغرفة ونعيمها نعيم آخر تشير اليه التحية والسلام على تقدير ان يكونا من اللّه تعالى إذ لا يلتذ العاشق بشئ فوق ما يلتذ بمطالعة جمال معشوقه وسماع كلامه وخطابه - حكى - انه كان لبعضهم جار نصراني فقال له اسلم على أن اضمن لك الجنة فقال النصراني الجنة مخلوقة لا خطر لها ثم ذكر له الحور والقصور فقال أريد أفضل من هذا صحبت حور نخواهم كه بود عين قصور فقال اسلم على أن اضمن لك رؤية اللّه تعالى فقال الآن وجدت ليس شئ أفضل من رؤية اللّه فاسلم ثم مات فرآه في المنام على مركب في الجنة فقال له أنت فلان قال نعم قال ما فعل اللّه بك قال لما خرج روحي ذهب به إلى العرش فقال اللّه تعالى آمنت بي شوقا إلى لقائي فلك الرضى والبقاء قُلْ يا محمد للناس كافة ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ هذا بيان لحال المؤمنين منهم وما استفهامية محلها النصب على المصدر أو نافية وما يعبأ ما يبالي ولا يعتد كما في القاموس ما اعبأ بفلان ما أبالي وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه ودعاؤكم مبتدأ خبره موجود أو واقع وهو مصدر مضاف إلى الفاعل بمعنى العبادة كما في قوله تعالى ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ) ونظائره والمعنى . على الاستفهامية أي عبئ واعتبار يعتبركم ربى ويبالي ويعتنى بشأنكم لولا عبادتكم وطاعتكم له تعالى فان شرف الإنسان وكرامته بالمعرفة والطاعة والا فهو وسائر الحيوانات سواء وقال الزجاج أي وزن ومقدار يكون لكم عند اللّه تعالى لولا عبادتكم له تعالى وذلك ان أصل العبئ بالكسر والفتح بمعنى الثقل والحمل من أي شئ كان فمعنى ما أعبأ به في الحقيقة ما أرى له وزنا وقدرا واليه جنح الامام الراغب في الآية هذا