الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

184

تفسير روح البيان

المستأذنون فإذا استأذنوك في الانصراف لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ الشأن الحال والأمر ولا يقال الا فيما يعظم من الأحوال والأمور كما في المفردات لبعض أمرهم المهم أو خطبهم الملم لم يقل لشؤنهم بل قيد بالبعض تغليظا عليهم في امر الذهاب عن مجلس رسول اللّه مع العذر المبسوط ومساس الحاجة فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ لما علمت في ذلك من حكمة ومصلحة فلا اعتراض عليك في ذلك وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ بعد الاذن فان الاستئذان وان كان لعذر قوى لا يخلو عن شائبة تفضيل امر الدنيا على الآخرة ففيه إشارة إلى أن الأفضل ان لا يحدث المرء نفسه بالذهاب فضلا عن الذهاب إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ مبالغ في مغفرة فرطات العباد رَحِيمٌ مبالغ في إفاضة اثر الرحمة عليهم وفي الآية بيان حفظ الأدب بان الامام إذا جمع الناس لتدبير امر من أمور المسلمين ينبغي ان لا يرجعوا الا باذنه ولا يخالفوا أمير السرية ويرجعوا بالاذن إذا خرجوا للغزو ونحوه وللامام ان يأذن وله ان لا يأذن الا على ما يرى فمن تفرق بغير اذن صار من أهل الهوى والبدع وكان عليه السلام إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد رجل الخروج وقف حيث يراه فيأذن له ان شاء ولذا قال عظماء الطريقة قدس اللّه أسرارهم ان المريد إذا أراد ان يخرج لحاجة ضرورية ولم يجد الشيخ مكانه فإنه يحضر الباب ويتوجه بقلبه فيستأذن من روحانية الشيخ حتى لا يستقل في خروجه بل يقع ذلك من طريق المتابعة فان للمتابعة تأثيرا عظيما قال في التأويلات النجمية فيه إشارة إلى أن المريد الصادق من يكون مستسلما لتصرفات شيخه وان لا يتنفس الا بإذن شيخه ومن خالف شيخه في نفسه سرا أو جهرا لا يشم رائحة الصدق وسيره غير سريع وان بدر منه شئ من ذلك فعليه بسرعة الاعتذار والإفصاح عما حصل منه من المخالفة والخيانة ليهديه شيخه إلى ما فيه كفارة جرمه ويلتزم في الغرامة بما يحكم به عليه وإذا رجع المريد إلى اللّه وإلى شيخه بالصدق وجب على شيخه جبران تقصيره بهمته فان المريدين عيال على الشيوخ فرض عليهم ان ينفقوا عليهم من قوت أموالهم بما يكون جبرانا لتقصيرهم انتهى فعلى المريدين ان يوافقوا مشايخهم في جميع الأحوال وان لا يستبدوا بآرائهم في أمور الشريعة والطريقة وان لا يخالفوهم بالاستبعاد بالخروج من عندهم إلى السفر والحضر والمجاهدة والرياضة قال عبد اللّه الرازي قال قوم من أصحاب أبى عثمان لأبي عثمان قدس سره أوصنا قال عليكم بالاجتماع على الدين وإياكم ومخالفة الأكابر والدخول في شئ من الطاعات الا بإذنهم ومشورتهم وواسوا المحتاجين بما أمكنكم فارجو ان لا يضيع اللّه لكم سعيا انتهى فمن وقع منه تقصير فلا يقنط فان للّه تعالى قبولا ثم قبولا : قال المولى الجامي بلى نبود درين ره نا اميدى * سياهى را بود رو در سفيدى ز صد در كر اميدت بر نيايد * بنوميدى جكر خوردن نشايد در ديكر ببايد زد كه ناكاه * از آن در سوى مقصود آورى راه واللّه تعالى يقبل التوبة والاستغفار واعلم أن هذه الأبيات تشير إلى أبواب الشفاعة وكثرتها والا فمن رده باب من الأبواب الحقة فلا تقبله سائر الأبواب ألا ترى ان من رده اللّه تعالى