الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

151

تفسير روح البيان

وَمَنْ [ هر كه ] يُكْرِهْهُنَّ على ما ذكر من البغاء فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ اى كونهن مكرهات على أن الإكراه مصدر من المبنى للمفعول غَفُورٌ رَحِيمٌ اى لهن وتوسيط الإكراه بين اسم ان وخبرها للايذان بان ذلك هو السبب للمغفرة والرحمة وفيه دلالة على أن المكرهين محرومون منهما بالكلية وحاجتهن إلى المغفرة المنبئة عن سابقة الإثم باعتبار انهن وان كن مكرهات لا يخلون في تضاعيف الزنى عن شائبة مطاوعة بحكم الجبلة البشرية وفي الكواشي المغفرة هاهنا عدم الإثم لأنها لا اثم عليها إذا أكرهت على الزنى بقتل أو ضرب مفض إلى التلف أو تلف العضو واما الرجل فلا يحل له الزنى وان أكره عليه لان الفعل من جهته ولا يتأتى الا بعزيمة منه فيه فكان كالقتل بغير حق لا يبيحه الإكراه بحال انتهى وفي الآيتين الكريمتين إشارتان الأولى ان بعض الصلحاء الذين لم يبلغوا مراتب ذوى الهمم العلية في طلب اللّه ولكن ملكت ايمانهم نفوسهم الامارة بالسوء فيريدون كتابتها من عذاب اللّه وعتقها من النار بالتوبة والأعمال الصالحة فكاتبوهم اى توّبوهم ان تفرستم فيهم آثار الصدق وصحة الوفاء على ما عاهدوا اللّه عليه فإنه لا يلزم التلقين لكل من يطلبه وانما يلزم لأهل الوفاء وهم انما يعرفون بالفراسة القوية التي أعطاها اللّه لأهل اليقين وآتوهم من قوة الولاية والنصح في الدين الذي أعطاكم اللّه فان لكل شئ زكاة وزكاة الولاية العلم والمعرفة والنصيحة للمستنصحين والإرشاد للطالبين والتعاون على البر والتقوى والرفق بالمتقين وكما أن المال ينتقض بل يزول ويفنى بمنع الزكاة فكذا الحال يغيب عن صاحبه بمنع الفقراء المسترشدين عن الباب ألا ترى ان السلطنة الظاهرة انما هي لإقامة المصالح وإعانة المسلمين فكذا السلطنة الباطنة وللأرض من كأس الكرام نصيب والثانية ان النفوس المتمردة إذا أردن المتحصن بالتوبة والعبودية بتوفيق اللّه وكرمه فلا ينبغي إكراهها على الفساد طلبا للشهوات النفسانية واعلم أن من لم يتصل نسبه المعنوي بواحد من أهل النفس الرحماني وادعى لنفسه الكمال والتكميل فهو زان في الحقيقة ومن هو تحت تربيته هالك لأنه ولد الزنى وربما رأيت من يكره بعض أهل الطلب على التردد لباب أهل الدعوى ويصرفه عن باب أهل الحق عنادا وغرضا ومرضا واتباعا لهواه فهو انما يكرهه على الزنى لأنه بملازمة باب أهل الباطل يصير المرء هالكا كولد الزنى إذ يفسد استعداده فساد البيضة نسأل اللّه تعالى ان يحفظنا من كيد الكافرين ومكر الماكرين وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ اى وباللّه لقد أنزلنا إليكم في هذه السورة الكريمة آيات مبينات لكل ما بكم حاجة إلى بيانه من الحدود وسائر الأحكام والآداب والتبيين في الحقيقة للّه تعالى واسناده إلى الآيات مجازى وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ اى وأنزلنا مثلا كائنا من قبيل أمثال الذين مضوا من قبلكم من القصص العجيبة والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة والكلمات الجارية على ألسنة الأنبياء فتنتظم قصة عائشة الحاكية لقصة يوسف وقصة مريم في الغرابة وسائر الأمثال الواردة انتظاما واضحا فان في قصتهما ذكر تهمة من هو برئ مما اتهم به فيوسف اتهمته زليخا ومريم اتهمها اليهود مع براءتهما