الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
89
تفسير روح البيان
آمنة مطمئنة ثابت مستمر رَغَداً واسعا مِنْ كُلِّ مَكانٍ من نواحيها من البر والبحر فَكَفَرَتْ اى كفر أهلها بِأَنْعُمِ اللَّهِ اى بنعمه جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وادرع والمراد بها نعمة الرزق والامن المستمر وإيثار جمع القلة للايذان بان كفران نعمة قليلة حيث أوجب هذا العذاب فما ظنك بكفران نعم كثيرة - روى - ان أهل أيلة كانوا يستنجون بالخبز كما في الكواشي * يقول الفقير الخبز هو الأصل بين النعم الإلهية ولذا امر آدم عليه السلام الذي هو أصل البشر بالحراثة فمن كفر به فقد كفر بجميع النعم وتعرض لزوالها وكذا الاعتقاد الصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة هو الأساس المبنى عليه قبول الأعمال الصالحة فمن أفسد اعتقاده فقد أفسد دينه وتعرض لسخط اللّه تعالى بآب زمزم اگر شست خرقه زاهد شهر * چه سود از ان چو ندارد طهارت أزلي والمقصود طهارة الوجود والقلب عن لوث الانية والتعلق بغير اللّه تعالى فَأَذاقَهَا اللَّهُ اى أذاق أهلها . وبالفارسية [ پس بچشانيد خداى تعالى أهل آنرا ] وأصل الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء والاختبار كما في تفسير أبى الليث لِباسَ الْجُوعِ حتى أكلوا ما تغوطوه لان الجزاء من جنس العمل * قال في الأسئلة المقحمة في الأجوبة المفحمة كيف سمى الجوع لباسا قيل لأنه يظهر من الهزال وشحوب اللون وضيق الحال ما هو كاللباس وَالْخَوْفِ * قال في الإرشاد شبه اثر الجوع والخوف وضرهما المحيط بهم باللباس الغاشى للابس فاستعير له اسمه وأوقع عليه الإذاقة المستعارة لمطلق الإيصال المنبئة عن شدة الإصابة بما فيها من اجتماع ادراك الملامسة والذائقة على نهج التجريد فإنها لشيوع استعمالها في ذلك وكثرة جريانها على الألسنة جرت مجرى الحقيقة بِما كانُوا يَصْنَعُونَ فيما قبل من الكفران ثم بين ان ما فعلوه من كفران النعم لم يكن مزاحمة منهم لقضية العقل فقط بل كان ذلك معارضة لحجة اللّه على الخلق أيضا فقال وَلَقَدْ جاءَهُمْ اى أهل تلك القرية رَسُولٌ مِنْهُمْ اى من جنسهم يعرفونه بأصله ونسبه فأخبرهم بوجوب الشكر على النعمة وانذرهم سوء عاقبة الكفران فَكَذَّبُوهُ في رسالته فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ المستأصل غب ما ذاقوا نبذة من ذلك وَهُمْ ظالِمُونَ حال كونهم ظالمين بالكفران والتكذيب حيث جعلوا الأول موضع الشكر والثاني موضع التصديق وترتيب العذاب على التكذيب جرى على سنة اللّه تعالى كما قال وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا قال ابن عباس رضى اللّه عنهما هذا المثل لأهل مكة فإنهم كانوا في حرم آمن ويتخطف الناس من حولهم وما يمر ببالهم طيف من الخوف وكانت تجبى اليه ثمرات كل شئ ولقد جاءهم رسول منهم فكفروا بأنعم اللّه وكذبوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاصابهم بدعائه صلى اللّه عليه وسلم بقوله ( اللهم اعني عليهم بسبع كسبع يوسف ) ما أصابهم من القحط والجدب حتى أكلوا الجيف والكلاب الميتة والجلود والعظام المحرقة والعلهز وهو الوبر والدم اى يخلط الدم باوبار الإبل ويشوى على النار وصار الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كالدخان من الجوع قد ضاقت عليهم الأرض بما رجت من سرايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد الهجرة حيث كانوا يغيرون على مواشيهم وعيرهم وقوافلهم