الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
80
تفسير روح البيان
يكن مأمورا بالاستعاذة باللّه من الشيطان الرجيم فتكون الأمة بها أولى وأحق * قال بعضهم هل المراد كل شيطان أو القرين فقط الظاهر أنه في حقنا القرين قال اللّه تعالى وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وفي حق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إبليس اما نحن فلان الإنسان لا يؤذيه من الشياطين الا ما قرن به وما بعد فلا يضره شيأ والعاقل لا يستعيذ ممن لا يؤذيه واما الرسول صلى اللّه عليه وسلم فان قريته لما اسلم تعين ان يكون الاستعاذة من إبليس أو أكابر جنوده وتخصيص الاستعاذة باللّه عند قراءة القرآن من الشيطان الرجيم لمعان وفوائد أولها كي يتذكر القارئ واقعة الشيطان وبتفكر في امره انه انما صار شيطانا رجيما بعد ان كان ملكا كريما لأنه فسق عن امر ربه وخالفه وأبى ان يسجد لآدم واستكبر وكان من الكافرين اى فصار من الكافرين فيتنبه بذلك عند قراءة القرآن ويصفى نيته قبل القراءة على أن يأتمر بما امره اللّه في القرآن وينتهى عما نهاه عنه احترازا عن المخالفة فان فيها الطرد واللعن والرجم والفسق والكفر وانها مظنة للخلود في النار وثانيها لان العبد لا يخلو من حديث النفس وهواجسها ومن إلقاء الشيطان ووساوسه وقلبه لا بد يتشوش بذلك فلا يجد حلاوة كلام اللّه فامر بالاستعاذة وتزكيته للنفس عن هواجسها وتصفيته للقلب عن وساوس الشيطان ليتجلى بنور القرآن فان التجلية تكون بعد التزكية والتصفية وثالثها لان في كل كلمة من كلمات القرآن للّه تعالى إشارات ومعاني وحقائق لا يفهمها الا قلب مطهر عن تلوثات الهواجس والوساوس معطر بطيب أنفاس الحق وذلك مودع في الاستعاذة باللّه فامر بها لحصول الفهم - وروى - جبير بن مطعم قال رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلى فقال ( اللّه أكبر كبيرا والحمد للّه كثيرا وسبحان اللّه بكرة وأصيلا أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه ) قال ابن مسعود رضى اللّه عنه نفخه الكبر ونفثه الشعر وهمزه الموتة يعنى الجنون * وفي قوله إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ الآية إشارة إلى أن تصرف الشيطان وقدرته بالإغواء والإضلال على الإنسان انما ينقطع بقدر نور الايمان وقوة التوكل فمهما يكمل الايمان والتوكل يكون المؤمن زاهدا عن الدنيا راغبا في الآخرة متبتلا إلى اللّه تعالى فلا يبقى للشيطان عليه سلطان في إضلاله واغوائه ولكن يأول امره إلى الوسوسة وفيها صلاح المؤمن فان إبريز اخلاص قلبه عن غش صفات نفسه لا يتخلص الا بنار وسوسة الشيطان لأنه يطلع على بقايا صفات نفسه بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة ومجاهدة النفس وملازمة الذكر فبها تنقص وتنمحى بقية صفات النفس ويزداد نور الايمان وقوة التوكل وقربة الحق وقبوله * وفي بعض الأخبار ان النبي صلى اللّه عليه وسلم قال ( ان إبليس قال يا رب قلت في كتابك ان عبادي ليس لك عليهم سلطان فمن هم فقال تعالى من كان نور وجهه من عرشي وطينه من طين إبراهيم ومحمد عليهما السلام وقلبه خزينتى قال إبليس فمن هم فقال تعالى من كان نادما على ذنبه وخائفا من خاتمته فنور وجهه من نور عرشي ومن كان يطعم الطعام ويرحم العباد فطينه من طينهما ومن كان راضيا بحكمي مسارعا إلى ابتغاء مرضاتي فقلبه خزينتى ) * وفي الخبر ( إذا لعن المؤمن