الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
78
تفسير روح البيان
مُؤْمِنٌ قيده به إذ لا اعتداد باعمال الكفرة في استحقاق الثواب وانما المتوقع عليها تخفيف العذاب كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم ( ان اللّه تعالى يأمر بالكافر السخي إلى جهنم فيقول لمالك خازن جهنم عذبه وخفف عنه العذاب على قدر سخائه الذي كان في دار الدنيا ) كما في تفسير السمرقندي ويؤيده ما قيل إنه لما عرج النبي صلى اللّه عليه وسلم اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسه النار فقال جبرائيل عليه السلام هذا حاتم طي صرف اللّه عنه عذاب جهنم بسخائه وجوده كما في أنيس الوحدة فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً في الدنيا يعيش عيشا طيبا لأنه ان كان موسرا فظاهر وان كان معسرا فيطيب عيشه بالقناعة والرضى بالقسمة وتوقع الاجر العظيم في الآخرة كالصائم يطيب نهاره بملاحظة نعيم ليله بخلاف الفاجر فإنه ان كان معسرا فظاهر وان كان موسرا فلا يدعه الحرص وخوف الفوت ان يتهنأ بعيشه وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اى ولنعطينهم في الآخرة أجرهم الخاص بهم بما كانوا يعملون من الصالحات وانما أضيف اليه الأحسن للاشعار بكمال حسنه كما سبق في حق الصابرين * وفي التأويلات النجمية يشير بالذكر إلى القلب وبالأنثى إلى النفس فالعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة بتقوى اللّه وصدقه على وفق الطريقة تزكية عن صفاتها الذميمة وافعالها الطبيعية والعمل الصالح من القلب حسن توجهه إلى اللّه بالكلية لطلب اللّه والاعراض عما سواه تصفية للتحلية بصفات اللّه والتخلق بأخلاقه وبقوله فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً يشير إلى احياء كل واحد منهما بالحياة الطيبة على قدر صلاحية عمله وحسن استعداد في قبولها فاحياء النفس بالحياة الطيبة ان تصير مزكاة عن صقاتها متحلية بأخلاق القلب الروحاني مطمئنة بذكر اللّه راجعة إلى ربها راضية مرضية واحياء القلب بالحياة الطيبة ان يصير متخلقا بأخلاق اللّه ويكون فانيا عن أنانيته بهويته حيا بحياته طيبا عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث فان اللّه طيب عن هذه الأوصاف فلا يقبل إلا طيبا * ثم اعلم أن صلاحية اعمال العباد انما تكون على قدر صدقهم في المعاملات وحسن استعدادهم في قبول الفيض الإلهي فيكون طيب حياتهم بإحياء اللّه إياهم بحسب ذلك ولنجزينهم في الآخرة اجر كل طائفة منهم باوفر ما كانوا يظنون أن يجازيهم اللّه على أعمالهم بيانه قوله وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً وعن بعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللّه قال لما مات احمد رأيته في المنام وهو يمشى ويتبختر في مشيه فقلت له يا أخي أي مشية هذه قال مشية الخدام في دار السلام فقلت له ما فعل اللّه بك قال غفر لي وألبسني تعلين من ذهب وقال هذا جزاء قولك القرآن كلام اللّه المنزل غير مخلوق وقال يا احمد قم حيث شئت فدخلت الجنة فإذا سفيان الثوري رحمه اللّه له جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة وهو يقرأ هذه الآية الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ فقلت له أي شئ خبر عبد الواحد الوراق رحمه اللّه قال تركته في بحر من النور يراد به الملك الغفور فقلت ما فعل بشر بن الحارث رحمه اللّه فقال بخ بخ ومن مثل بشر تركته بين يدي الجليل والجليل سبحانه مقبل عليه وهو يقول كل يا من لم يأكل واشرب