الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
497
تفسير روح البيان
إذا قرعت شبهته بالحجة القاطعة وافتضح لا يبقى له مفزع الا المناصبة واتفقت كلمتهم على إحراقه لأنه أشد العقوبات وقال ابن عمر رضى اللّه عنهما ان الذي أشار بإحراقه رجل من اعراب العجم يعنى من الأكراد ولعمري انهم لفى فسادهم وجفائهم وغلوهم في تعذيب الناس بعد يقدمون ولا ينفكون عن ذلك ما ترى للاسلام الذي هو دين إبراهيم الخليل عليهم اثرا في خلق ولا عمل خلقهم نهب أموال المسلمين وعلمهم ظلم وسرقة وقتل وقطع الطريق واللّه ما هؤلاء باهل الملة الغراء لأكثر اللّه في الناس مثل هؤلاء إياك والمصاحبة باصلحهم والمرور ببلادهم وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ بالانتقام لها إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ امرا في إهلاكه يعنى ان الإحراق هو المعتد به في هذا الباب وقصته انه لما اجتمع نمرود وقومه لاحراقه عليه السلام حبسوه في بيت بنو اله حائطا كالحظيرة ارتفاعه ستون ذراعا وذلك في جنب جبل كوثى وهي بالضم قرية بالعراق ثم جمعوا له الحطب الكثير حتى أن الرجل المريض كان يوصى بشراء الحطب والقائه فيها وكانت المرأة لو مرضت قالت إن عافاني اللّه لاجمعن حطبا لإبراهيم وكانت تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحتطبن في نار إبراهيم وتغزل وتشترى الحطب بغزلها فتلقيه في ذلك البنيان احتسابا في دينها وكانت امرأة عجوز نذرت ان تحمل الحطب إلى نار إبراهيم فحملت حزمة حطب وذهبت بها إلى موضع النار فاعترضها ملك في الطريق وقال اين تذهبين يا عجوز فقالت أريد نار إبراهيم فقال طول اللّه طريقك وقصر خطاك فأقامت تسير والحطب فوق رأسها وهي جيعانة عطشانة حتى ماتت لعنها اللّه تعالى قيل جمعوا له أصناف الحطب من أنواع الخشب على ظهر الدواب أربعين يوما قال الكاشفي [ وروغن فراوان برهيمه ريختند ] يقال إن جميع الدواب امتنعت من حمل الحطب الا البغال فعاقبها اللّه ان أعقمها كما في القصص وذكر في فضائل القدس عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال في زمن بني إسرائيل في بنت المقدس عند عين سلوان وعين سلوان في القدس الشريف كزمزم في مكة وكانت المرأة إذا قذفت أتوا بها فسقوها من ماء هذه العين فان كانت بريئة لم يضرها وان كانت سقيمة ماتت فلما حملت مريم أم عيسى عليه السلام أتوا بها وحملوها على بغلة فعثرت بها فدعت اللّه تعالى ان يعقم رحمها فعقمت من ذلك اليوم فلما أتتها شربت منها فلم تزد إلا خيرا فدعت اللّه تعالى ان لا يفضح امرأة مؤمنة فغارت انتهى ثم أوقدوا الحطب سبعة أيام فلما اشتعلت النار صار الهواء بحيث لو مر الطير في أقصى الجو لاحترق من شدة وهجها اى شدة حرها - روى - انهم لم يعلموا كيف يلقونه فيها لعدم تأتى القرب منها فجاء إبليس في صورة شيخ وعلمهم عمل المنجنيق قال في انسان العيون أول من وضع المنجنيق إبليس فإنه لما جعلوا في الحطب النار ووصلت النار إلى رأس الجدار المرتفع المبنى جنب الجبل لم يدروا كيف يلقون إبراهيم فتمثل لهم إبليس في صورة نجار فصنع لهم المنجنيق ونصبوه على رأس الجبل ووضعوه فيه والقوه في تلك النار وأول من رمى به في الجاهلية جذيمة الأبرش وهو أول من أوقد الشمع انتهى وقيل صنعه لهم رجل من الأكراد وكان أول من صنع المنجنيق فخسف اللّه به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ثم عمدوا إلى إبراهيم فوضعوه في كفة المنجنيق مقيدا مغلولا فصاحت السماء والأرض ومن فيهما من الملائكة الا الثقلين