الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
498
تفسير روح البيان
صيحة واحدة اى ربنا ما في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم وانه يحرق فيك فائذن لنا في نصرته فقال تعالى ان استغاث بأحد منكم لينصره فقد أذنت له في ذلك فإن لم يدع غيرى فانا اعلم به وانا وليه فخلوا بيني وبينه فإنه خليلي ليس لي خليل غيره وانا الهه ليس له اله غيرى فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن الرياح فقال ان شئت طيرت النار في الهواء وأتاه خازن المياه فقال ان أردت أخمدت النار فقال إبراهيم لا حاجة لي إليكم ثم رفع رأسه إلى السماء فقال اللهم أنت الواحد في السماء وانا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غيرى حسبي اللّه ونعم الوكيل وأقبلت الملائكة فلزموا كفة المنجنيق فرفعه أعوان النمرود فلم يرتفع فقال لهم إبليس أتحبون ان يرتفع قالوا نعم قال ائتوني بعشر نسوة فأتوه بهن فامرهن بكشف رؤسهن ونشر شعورهن ففعلوا ذلك فمدت الأعوان المنجنيق وذهبت الملائكة فارتفع إبراهيم في الهواء كما في القصص وذلك ان الملك لا يرى الرأس المكشوف من المرأة بخلاف الجنى ولذا لما رأى نبينا عليه السلام الملك في بدء الوحي فزع منه فاجلسته خديجة رضى اللّه عنها في حجرها والقت حمارها وهو ما يعطى به الرأس ثم قالت هل تراه قال لا قالت يا ابن عم أثبت وابشر فو اللّه انه لملك ما هذا بشيطان وحين القى في النار قال لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك قال في التأويلات النجمية إذا أراد اللّه تعالى ان يكمل عبدا من عباده المخلصين يفديه بخلق عظيم كما أنه تعالى إذا أراد استكمال حوت في البحر يفديه بكثير من الحيتان الصغار فلما أراد تخليص إبريز الخلة من غش البشرية جعل النمرود وقومه فداء لإبراهيم حتى اجمعوا على تحريقه بعد ان علموا انهم ظالمون فوضعوه في المنجنيق ورموه إلى النار فانقطع رجاؤه عن الخلق بالكلية متوجها إلى اللّه تعالى مستسلما نفسه اليه حتى أن جبريل عليه السلام أدركه في الهواء فامتحنه بقوله هل لك من حاجة وما كان فيه من الوجود ما تتعلق به الحاجة فقال اما إليك فلا قال له جبريل سل ربك امتحانا له فاخفى سره عن جبريل غيرة على حاله فقال حسبي من سؤالي علمه بحالي وما اظهر عليه حاله فأدركته العناية الأزلية بقوله قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ البرد خلاف الحر والسلام التعري من الآفات اى كونى ذات برد من حرك وسلامة من بردك فزال ما فيها من الحرارة والإحراق وبقي ما فيها من الإضاءة والاشراق واختاره المحققون لدلالة الظاهر عليه وهذا كما ترى من أبدع المعجزات فان انقلاب النار هواء طيبا وان لم يكن بدعا من قدرة اللّه لكن وقوع ذلك على هذه الهيئة مما يخرق العادات وقيل كانت النار بحالها الا انه تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول أذى النار اليه كخزنة جهنم في الآخرة وكما أنه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث في النار كما يشعر به ظاهر قوله على إبراهيم قيل فبردت نار الدنيا يومئذ ولم ينتفع بها أحد من أهلها ولو لم يقل على إبراهيم لبقيت ذات برد ابدا على كافة الخلق بل على جميع الأنبياء ولو لم يقل سلاما بعد قوله بردا لمات إبراهيم من بردها قال في الكبير اما كونها سلاما عليه فلان البرد المفرط مهلك كالحر بل لا بد من الاعتدال وهو اما بان يقدر اللّه بردها بمقدار لا يؤثر أو بان يصير بعض النار بردا ويبقى بعضها على حرارته