الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
456
تفسير روح البيان
فمالهم لا يفهمون انك لست بدعا من الرسل وان ما أوحى إليك ليس مخالفا لما أوحى إليهم فيقولون ما يقولون وفي التأويلات النجمية يشير إلى أنه تعالى يظهر في كل قرن رجالا بالغين من متابعى الأنبياء ويخصهم بوحي الإلهام كما اظهر في زمان عيسى عليه السلام الحواريين من متابعيه وأوحى إليهم كما قال تعالى وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قد سبق ان الذكر يطلق على الكتب الإلهية اى ان كنتم لا تعلمون ما ذكر فاسألوا أيها الكفرة الجهلة أهل الكتاب الواقفين على أحوال الرسل السالفة لتزول شبهتكم أمروا بذلك لان اخبار الجم الغفير يوجب العلم لا سيما وهم كانوا يشايعون المشركين في عداوته عليه السلام ويشاورونهم في امره وكانوا لا ينكرون كون الرسل بشرا وان أنكروا نبوته عليه السلام - روى - انه قيل للامام الغزالي رحمه اللّه بماذا حصل لكم الإحاطة بالأصول والفروع فتلا هذه الآية وأشار إلى أن السؤال من أسباب العلم وطرائقه وَما جَعَلْناهُمْ اى الرسل جَسَداً الجسد جسم الإنسان والجن والملائكة قال الراغب الجسد كالجسم لكنه أخص فان الجسد ما له لون والجسم يقال لما لا يبين له لون كالماء والهواء ونصبه على أنه مفعول ثان للجعل لا بمعنى جعله جسدا بعد ان لم يكن كذلك كما هو المشهور من معنى التصيير بل بمعنى جعله كذلك ابتداء على طريقة قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ؟ ؟ ؟ فة له والطعام البر وما يؤكل والطعم تناول الغذاء اى وما جعلناهم جسدا مستغنيا عن الاكل والشرب بل محتاجا إلى ذلك لتحصيل بدل ما يتحلل منه وَما كانُوا خالِدِينَ لان مآل التحلل هو الفناء لا محالة والخلود تبرئ الشيء من اعتراض الفساد وبقاؤه على الحالة التي هو عليها والمراد اما المكث المديد كما هو شأن الملائكة أو الأبدي وهم معتقدون انهم لا يموتون . والمعنى جعلناهم أجسادا متغذية صائرة إلى الموت بالآخرة على حسب آجالهم لا ملائكة ولا أجسادا مستغنية عن الأغذية مصونة عن التحلل كالملائكة فلم يكن لها خلود كخلودهم قال في التأويلات النجمية يشير إلى أن الأنبياء والأولياء خلقوا محتاجين إلى الطعام بخلاف الملائكة وذلك لا يقدح في النبوة والولاية بل هو من لوازم أحوالهم وتوابع كمالهم فان لهم فيه فوائد جمة منها ان الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن للسراج وهو منبع جميع الصفات النفسانية الشهوانية وهو مركب الشوق والمحبة التي بها يقطع السالك الصادق مسالك البعاد ويعبر العاشق مهالك الفراق للوصول إلى كعبة الوصال . ومنها ان أكل الطعام من نتائج الهوى وهو يميل النفس إلى مشتهياتها والسير إلى اللّه بحسب نهى النفس عن الهوى كقوله تعالى وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ولذا قال المشايخ لولا الهوى ما سلك أحد طريقا إلى اللّه . ومنها ان كثيرا من علم الأسماء التي علم اللّه آدم منوط بأكل الطعام مثل علم ذوق المذوقات وعلم التلذذ بالمشتهيات وعلم لذة الشهوة وعلم الجوع وعلم العطش وعلم الشبع والري وعلم هضم الطعام وثقله وعلم الصحة والمرض وعلم الداء والدواء وأمثاله والعلوم التي تتعلق به كعلوم الطب بأجمعها والعلوم التي هي توابعها كمعرفة الأدوية والحشائش