الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

382

تفسير روح البيان

على فعلة واحدة من الفعلات متعدية كانت أو لازمة ثم شاع في كل فرد واحد من افراد ماله افراد متحدة فصار علما في ذلك حتى جعل معيارا لما في معناه من سائر الأشياء فقيل هذا بناء المرة ويقرب منها الكرة والتارة والدفعة والمراد به هاهنا الوقت الممتد الذي وقع فيه ما سيأتي ذكره من المنن العظيمة الكثيرة إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ظرف لمننا والمراد من هذا الوحي ليس الوحي الواصل إلى الأنبياء لان أم موسى ما كانت من الأنبياء فان المرأة لا تصلح للامارة والقضاء فكيف تصلح للنبوة بل الإلهام كما في قوله تعالى وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ بان أوقع اللّه في قلبها عزيمة جازمة على ما فعلته من اتخاذ التابوت والقذف قال في الأسئلة المقحمة كيف يجوز لها ان تلقى ولدها في البحر وتخاطر بروحه بمجرد الإلهام والجواب كانت مضطرة إلى ركوب أحد الخطرين فاختارت له خير الشرين انتهى والظاهر أن اللّه تعالى قدر انها تكون صدف درة وجود موسى فكما ان الصدف يتنور بنور الدرة نور صدر أمه أيضا بنور الوحي من تلألؤ أنوار نبوته ورسالته فهذا الإلهام من أحوال الخواص من أهل الحال ما يُوحى المراد به ما سيأتي من الأمر بقذفه في التابوت والبحر أبهم أولا تهويلا له وتفخيما لشأنه عليه السلام ثم فسر ليكون أقر عند النفس أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ ان مفسرة بمعنى اى لان الوحي من باب القول اى قلنا لها اقذفيه ومعنى القذف هاهنا الوضع وفي قوله فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ الإلقاء وليس المراد القذف بلا تابوت واليم نيل مصر في قول جميع المفسرين فان اليم يقع على البحر والنهر العظيم فان قيل ما الحكمة بإلقاء موسى في اليم دون غيره فيه قلنا له جوابان بلسان الحكمة والمعرفة قيل بلسان الحكمة ان المنجمين حتى إذا القى شئ في الماء يخفى عليهم امره فأراد اللّه ان يخفى حال موسى على المنجمين حتى لا يخبروا به فرعون وقيل بلسان الحال ألقيه في التلف لا نجيه بالتلف من التلف قيل لها بلسان الحال سلميه الىّ صبيا أسلمه إليك نبيا وقيل أنجاه من البحر في الابتداء كذلك أنجاه من البحر في الانتهاء بإغراق فرعون بالماء وقال بعض أرباب المعارف التابوت إشارة إلى ناسوت موسى عليه السلام اى صورته الانسانية واليم إشارة إلى ما حصل له من العلم بواسطة هذا الجسم العنصري فلما حصلت النفس في هذا الجسم وأمرت بالتصرف فيه وتدبيره جعل اللّه لها هذا القوى آلات يتوصل بها إلى ما اراده اللّه منها في تدبير هذا التابوت فرمى في اليم ليحصل له بهذا القوى من فنون العلم تكميل استعداده بذلك الأمر من النفس الكلية التي هي أمه المعنوية وأبوه الروح الكلى فكل ولد منها يأخذ استعداده بحسب القابلية فكمل لموسى الاستعداد الأصلي بذلك الإلقاء من توجه النفس الكلية له : وقال المولى الجامي قدس سره ديدم رخت آفتاب عالم اينست * در طور وجود نور أعظم اينست افتاد دلم أسير تابوت بدن * در بحر غمت القى في اليم اينست فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ لما كان إلقاء البحر إياه بالساحل امرا واجب الوقوع لتعلق الإرادة الربانية به جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع امر بذلك واخرج الجواب مخرج الأمر فصورته امر ومعناه خبر والضمائر كلها لموسى والمقذوف في البحر والملقى بالساحل وان كان التابوت