الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

37

تفسير روح البيان

يعلمون قدره ويؤدون شكره الذين صبروا على الائتمار بالأوامر وعلى الانتهاء عن النواهي بل صبروا على المجاهدات والمكابدات لنيل المشاهدات والمواصلات وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ صبروا باللّه في طلبه وتوكلوا على اللّه في وجدانه فبالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في اللّه حاروا حيرة لا نهاية لها إلى الأبد كما في التأويلات النجمية * اعلم أن من توكل على اللّه وانقطع اليه كفاه اللّه كل مؤونة ومن انقطع إلى الدنيا وأهلها لا يتم امره فان أهل الدنيا لا تقدر على النفع وإيصال الخير ما لم يرد اللّه * قال أبو سعيد الخراز قدس سره أقمنا بمكة ثلاثة أيام لم نأكل شيأ وكان بحذائنا فقير معه ركوة مغطاة بحشيش وربما أراه يأكل خبزا حواري فقلت له نحن ضيفك فقال نعم فلما كان وقت العشاء مسح يده على سارية فناولني درهمين فاشترينا خبزا فقلت بم وصلت إلى ذلك فقال يا أبا سعيد بحرف واحد تخرج قدر الخلق من قلبك تصل إلى حاجتك وَما أَرْسَلْنا وذلك ان مشركي قريش لما بلغهم النبي صلى اللّه عليه وسلم الرسالة ودعاهم إلى عبادة اللّه تعالى أنكروا ذلك وقالوا اللّه أعظم من أن يكون رسوله بشرا ولو أراد ان يبعث إلينا رسولا لبعث من الملائكة الذين عنده فنزل قوله تعالى وما أرسلنا مِنْ قَبْلِكَ اى الأمم الماضية إِلَّا رِجالًا آدمين لا ملكا وقوله تعالى جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا اى إلى الملائكة أو إلى الأنبياء ولا امرأة إذ مبنى حالها على الستر والنبوة تقتضى الظهور ولا صبيا ونبوة عيسى في المهد لا تنافيه إذ الرسالة أخص * قال ابن الجوزي اشتراط الأربعين في حق الأنبياء ليس بشئ نُوحِي إِلَيْهِمْ على ألسنة الملائكة في الأغلب وأكثر الأمر وفيه إشارة إلى أن الرسالة والنبوة والولاية لا تسكن الا في قلوب الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه نه هر كس سزاوار باشد بصدر * كرامت بفضلست ورتبت بقدر فَسْئَلُوا اى فان شككتم في ذلك فاسألوا يا معشر قريش أَهْلَ الذِّكْرِ علماء أهل الكتاب ليخبروكم ان اللّه تعالى لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشرا وكانوا يشاورونهم في بعض الأمور ولذلك أحالهم إلى هؤلاء للالزام إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذلك * وفي الآية إشارة إلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم * وسئل الامام الغزالي رحمه اللّه من اين حصل لك الإحاطة بالعلوم أصولها وفروعها فتلا هذه الآية اى أفاد ان ذلك العلم الكلى انما حصل باستعلام المجهول من العلماء وترك العار وقد ورد [ الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها ] يعنى ينبغي للمؤمن ان يطلب الحكمة كما يطلب ضالته بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ بالمعجزات والكتب والباء متعلقة بمقدر وقع جوابا عن سؤال من قال بم أرسلوا فقيل أرسلوا بالبينات والزبر . والبينات جمع بينة وهي الواضحة . والزبر جمع زبور وهو الكتاب بمعنى المزبور اى المكتوب وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ اى القرآن انما سمى به لأنه تذكير وتنبيه للغافلين . يعنى انه سبب الذكر فاطلق عليه المسبب لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ كافة العرب والعجم ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ في ذلك الذكر من الاحكام والشرائع وغير ذلك من أحوال القرون المهلكة بافانين العذاب حسب أعمالهم الموجبة لذلك على وجه التفصيل بيانا شافيا كما ينبئ عنه صيغة التفعيل في الفعلين وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ