الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
369
تفسير روح البيان
للحديث - روى - ان موسى عليه السلام تزوج صفوراء وقال السهيلي صفورياء بنت شعيب عليه السلام فاستأذن منه في الخروج من مدين لزيارة أمه وأخيه هارون في مصر فخرج باهله وأخذ على غير الطريق خوفا من ملوك الشام فلما اتى وادي طوى وهو بالجانب الغربي من الطور ولد له ولد في ليلة مظلمة ذات برد وشتاء وثلج وكانت ليلة الجمعة فقدح زنده فصلد اى صوّت ولم يخرج ناوا وقيل كان موسى رجلا غيورا يصحب الناس بالليل ويفارقهم بالنهار غيرة منه لئلا يروا امرأته فلذا أخطأ الرفقة والطريق فبينما هو في ذلك إذ رأى نارا من بعيد على يسار الطريق من جانب الطور فظن أنها من نيران الرعاة فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته وولده وخادمه فان الأهل يفسر بالأزواج والأولاد والعبيد والإماء وبالأقارب وبالأصحاب وبالمجموع كما في شرح المشارق لابن ملك امْكُثُوا أقيموا مكانكم ولا تتبعوني إِنِّي آنَسْتُ ناراً الإيناس الابصار البين الذي لا شبهة فيه ومنه انسان العين لأنه يبين به الشيء والانس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم اى أبصرتها ابصارا بينا لا شبهة فيه فأذهب إليها لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها راجيا ان اجيئكم من النار بِقَبَسٍ بشعلة من النار اى بشئ فيه لهب مقتبس من معظم النار وهي المرادة بالجذوة في سورة القصص وبالشهاب القبس في سورة النمل يقال قبست منه نارا في رأس عود أو فتيلة أو غيرهما لم يقطع بان يقول انى آتيكم لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به انظر كيف احترز موسى عن شائبة الكذب قبل نبوته فإنه حينئذ لم يكن مبعوثا قال أكثر المفسرين ان الذي رآه موسى لم يكن نارا بل كان نور الرب تعالى ذكر بلفظ النار لان موسى حسبه نارا * وقال الامام الصحيح انه رأى نارا ليكون صادقا في خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء انتهى قال بعض الكبار لما كانت النار بغية موسى تجلى اللّه له في صورة مطلوبه المجازى ليقبل عليه ولا يعرض عنه فإنه لو تجلى له في غير صورة مطلوبه اعرض عنه لاجتماع ما تجلى فيه كنار موسى يراها عين حاجته * وهو الإله ولكن ليس يدريه اى ليس يعرف الإله المتجلى في صورة النور والمتكلم فيها أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً هاديا يدلني على الطريق لان النار قلما تخلو من أهل لها وناس عندها على أنه مصدر سمى به الفاعل مبالغة أو حذف منه المضاف اى ذا هداية كقوله في سورة القصص لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ وكلمة أو في الموضعين لمنع الخلو دون منع الجمع ومعنى الاستعلاء في علي أن أهل النار يكتنفونها عند الاصطلاء قياما وقعودا فيشرفون عليها فَلَمَّا أَتاها اى انتهى إلى النار التي آنسها قال ابن عباس رضى اللّه عنه رأى شجرة خضراء أحاطت بها من اسفنها إلى أعلاها نار بيضاء تتقد كاضوء ما يكون ولم ير هناك أحدا فوقف متعجبا من شدة ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة فلا النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوء النار فسمع تسبيح الملائكة ورأى نورا عظيما تكل الابصار عنه فوضع يديه على عينيه وخاف وبهت فألقيت عليه السكينة والطمأنينة ثم نودي وكانت الشجرة سمرة خضراء أو عوسجة أو عليقا أو شجرة العناب وهي شجرة لا نار فيها بخلاف غيرها من الأشجار قالوا النار أربعة أصناف صنف يأكل ولا يشرب وهي نار الدنيا . وصنف يشرب ولا يأكل وهي نار الشجر الأخضر . وصنف يأكل