الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
363
تفسير روح البيان
الكل تَنْزِيلًا اى نزل القرآن تنزيلا مِمَّنْ متعلقة بتنزيلا خَلَقَ اخرج من العدم إلى الوجود الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى تخصيص خلقهما لأنهما قوام العالم وأصوله وتقديم الأرض لكونها أقرب إلى الحس واظهر عنده من السماوات ووصف السماوات بالعلى وهو جمع العليا تأنيث الا على للدلالة على عظم قدرة خالقها بعلوها وعطف السماوات على الأرض من عطف الجنس على الجنس لان التعريف مصروف إلى الجنس لا من عطف الجمع على المفرد حتى يلزم ترك الأولى من رعاية التطابق بين المعطوف والمعطوف عليه الرَّحْمنُ رفع على المدح اى هو الرحمن أو مبتدأ واللام فيه للعهد مشارا به إلى من خلق خبره ما بعده عَلَى الْعَرْشِ الذي يحمله الملائكة متعلق بقوله اسْتَوى اعلم أن العرش سرير الملك والاستواء الاستقرار والمراد به هاهنا الاستيلاء ومعنى الاستيلاء عليه كناية عن الملك لأنه من توابع الملك فذكر اللازم وأريد الملزوم يقال استوى فلان على سرير الملك على قصد الاخبار عنه بأنه ملك وان لم يقعد على السرير المعهود أصلا فالمراد بيان تعلق إرادته الشريفة بايجاد الكائنات وتدبير أمرها إذ الباري مقدس الانتقال والحلول وانما خلق العرش العظيم ليعلم المتعبدون إلى اين يتوجهون بقلوبهم بالعبادة والدعاء في السماء كما خلق الكعبة ليعلموا إلى اين يتوجهون بأبدانهم في العبادة في الأرض [ وشيخ أكبر قدس سره در فتوحات فرموده كه استواء خداوند بر عرش در قرآنست ومراد بدين ايمانست تأويل نجوييم كه تأويل درين باب طغيانست بظاهر قبول كنيم وبباطن تسليم كه اين اعتقاد سفيانست اما ميدانم كه نه محتاج مكانست ونه عرش بر دارندهء اوست كه اوست بر دارندهء مكان ونكه دارندهء عرش ] نى مكان ره يافت سويش نه زمان * نى بيان دارد خبر زو نه عيان اين همه مخلوق حكم داورست * خالق عالم ز عالم برترست قال بعضهم ليس على الكون من اثر ولا على الأثر من كون قال بعضهم انا نقطع بان اللّه منزه عن المكان والا لزم قدم المكان وقد دل الدليل على أن لا قديم سوى اللّه تعالى وانه تعالى لم يرد من الاستواء الاستقرار والجلوس بل مراده به شئ آخر الا انا لا نشتغل بتعيين ذلك المراد خوفا من الخطأ ونفوض تأويل المتشابهات إلى اللّه تعالى كما هو رأى من يقف على إِلَّا اللَّهَ * وعليه أكثر السلف كما روى عن مالك واحمد الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والبحث عنها بدعة وما كان مقصود الإمامين الأجلين بذلك الا المنع من الجدال وقد أحسنا حيث حسما بذلك باب الجدال وكذلك فعل الجمهور لان في فتح باب الجدال ضررا عظيما على أكثر عباد اللّه وقد روى أن رجلا سأل عمر رضى اللّه عنه عن آيتين متشابهتين فعلاه بالدرة وقال بعض كبار المحققين من أهل اللّه تعالى المراد بهذا الاستواء استواؤه سبحانه لكن لا باعتبار نفسه وذاته تعالى علوا كبيرا عما يقول الظالمون من المجسمة وغيرهم بل باعتبار امره الايجادي وتجليه الحسى الاحدى وانما كان العرش محل هذا الاستواء لان التجليات الذاتية التي هي شروط التجليات المتعينة والاحكام الظاهرة والأمور البارزة والشؤون المتحققة