الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

36

تفسير روح البيان

لا المهاجرون مطلقا فان السورة مكية - روى - ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما رأى ما نزل بالمسلمين من توالى الأذى عليهم من كفار قريش قال لهم ( تفرقوا في الأرض فان اللّه سيجمعكم ) قالوا إلى اين نذهب قال ( اخرجوا إلى ارض الحبشة فان بها ملكا عظيما لا يظلم عنده أحد وهي ارض صدق حتى يجعل اللّه لكم فرجا مما أنتم فيه ) فهاجر إليها ناس ذو عدد قال بعضهم كانوا فوق ثمانين مخافة الفتنة فرارا إلى اللّه تعالى بدينهم منهم من هاجر إلى اللّه باهله كعثمان بن عفان رضى اللّه عنه هاجر ومعه زوجته رقية بنت النبي صلى اللّه عليه وسلم وكان أول خارج ومنهم من هاجر بنفسه وفي الحديث ( من فر بدينه من ارض إلى ارض وان كان شبرا من الأرض استوجب له الجنة وكان رفيق أبيه خليل اللّه إبراهيم ونبيه محمد عليها السلام ) لَنُبَوِّئَنَّهُمْ لننزلنهم فِي الدُّنْيا حَسَنَةً اى مباءة حسنة وهي المدينة المنورة حيث آواهم أهلها ونصروهم . يقال بوأه منزلا أنزله والمباءة المنزل فهي منصوبة على الظرفية أو على أنها مفعول ثان ان كان لنبوئنهم في معنى لنعطينهم وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ المعد لهم في مقابلة الهجرة أَكْبَرُ مما يعجل لهم في الدنيا * في المدارك الوقف لازم عليه لان جواب قوله لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ محذوف والضمير للكفار اى لو علموا ان اللّه تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم في الدين ويجوز ان يعود إلى المؤمنين المهاجرين فإنهم لو علموا علم المشاهدة لازدادوا في المجاهدة والصبر وأحبوا الموت وليس الخبر كالمعاينة الَّذِينَ اى المهاجرون هم الذين صَبَرُوا على مفارقة الوطن الذي هو حرم اللّه المحبوب في كل قلب فكيف بقلوب قوم هو مسقط رؤسهم - روى - ان النبي صلى اللّه عليه وسلم لما توجه مهاجرا إلى المدينة وقف ونظر إلى مكة وبكى وقال ( واللّه انى لا خرج منك وانى لا علم انك أحب بلاد اللّه إلى اللّه تعالى وأكرمها على اللّه ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت ) قال الهمام مشتاب ساربان كه مرا پاى در كلست * در كردنم ز حلقهء زلفش سلاسلست تعجيل ميكنى تو وپايم نمىرود * بيرون شدن ز منزل أصحاب مشكلشت چون عاقبت ز صحبت ياران بريد نيست * پيوند با كسى نكند هر كه عاقلست وكذا صبروا على مفارقة الأهل والشدائد من أذية الكفار وبذل الأرواح ونحو ذلك وَعَلى رَبِّهِمْ خاصة يَتَوَكَّلُونَ منقطعين اليه معرضين عما سواه مفوضين اليه الأمر كله والمعنى على المضي والتعبير بصيغة المضارع لاستحضار صورة توكلهم البديعة والإشارة وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ بالأبدان عما نهى اللّه عنه بالشريعة وهاجروا باللّه بالقلوب عن الحظوظ الأخروية برعاية الطريقة وهاجروا إلى اللّه بالأرواح عن مقامات القربة ورؤية الكرامات بجذبات الحقيقة بل هاجروا عن الوجود المجازى مستهلكا في بحر الوجود الحقيقي حتى لم يبق لهم في الوجود سوى اللّه من بعد ما ردوا إلى أسفل السافلين لننزلنهم على أقرب القرب في حال حياتهم ولا جر الآخرة اى بعد الخروج من الدنيا والخلاص من حبس أوصاف البشرية وتلوثها بها أكبر اى أعظم وأجل وأصفى وأهنى وامرى مما كان لهم من حسنات الدنيا لو كانوا