الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

358

تفسير روح البيان

وعيسى وعزير وغيرهم يعنى يلتجئون إلى ربوبيته منقادين كما يفعل العبيد للملوك فلا يليق به اتخاذ الولد منهم انتهى قال أبو بكر الوراق رحمه اللّه ما تقرب أحد إلى ربه بشئ أزين عليه من ملازمة العبودية واظهار الافتقار لان ملازمة العبودية تورث دوام الخدمة واظهار الافتقار اليه يورث دوام الالتجاء والتضرع : قال الحافظ فقير وخسته بدرگاهت آمدم رحمي * كه جز دعاى توام نيست هيچ دست آويز لَقَدْ أَحْصاهُمْ اى حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يكاد يخرج منهم أحد من حيطة علمه وقبضة قدرته وملكوته مع افراط كثرتهم وَعَدَّهُمْ عَدًّا اى عد أشخاصهم وأنفاسهم وآجالهم وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً اى كل واحد منهم آت إياه تعالى منفردا من الاتباع والأنصار فلا يجانسه شئ من ذلك ليتخذه ولدا ولا يناسبه ليشرك به وفي الحديث القدسي ( كذبني ابن آدم ) اى نسبني إلى الكذب ( ولم يكن له ذلك ) يعنى لم يكن التكذيب لائقا به بل كان خطأ ( وشتمني ) الشتم وصف الغير بما فيه نقص وإزراء ( ولم يكن له ذلك فاما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني ) يعنى لن يحييني اللّه بعد موتى كما خلقني وليس أول الخلق بأهون علىّ اى بأسهل والخلق بمعنى المخلوق من إعادته اى من إعادة المخلوق بل إعادته أسهل لوجود أصل البنية اعلم أن هذا مذكور على طريق التمثيل لان الإعادة بالنسبة إلى قوانا أيسر من الإنسان واما بالنسبة إلى قدرة اللّه تعالى فلا سهولة في شئ ولا صعوبة ( واما شتمه إياي فقوله اتخذ اللّه ولدا ) وانما صار هذا شتما لان التولد هو انفصال الجزء عن الكل بحيث ينمو وهذا انما يكون في المركب وكل مركب محتاج إلى المؤلف أو لان الحكمة في التولد استحفاظ النوع عند فناء الآباء تعالى اللّه عما لا يليق فان قلت قوله ( اتخذ اللّه ) تكذيب أيضا لأنه تعالى اخبر ان لا ولد له وقوله ( لن يعيدني ) شتم أيضا لأنه نسبة له إلى العجز فلم خص أحدهما بالشتم والآخر بالتكذيب قلت نفى الإعادة نفى صفة كمال واتخاذ الولد اثبات صفة نقصان له والشتم أفحش من التكذيب ولذلك نفاه اللّه عنه بأبلغ الوجوه فقال ( وانا الأحد ) اى المتفرد بصفات الكمال من البقاء والتنزه وغيرهما الواو فيه للحال ( الصمد ) بمعنى المصمود يعنى المقصود اليه في كل الحوائج ( الذي لم يلد ) هذا نفى للتشبيه والمجانسة ( ولم يولد ) هذا وصف بالقدم والأولية ( ولم يكن له كفوا أحد ) هذا تقرير لما قبله فان قلت لا يلزم من نفى الكفؤ في الماضي نفيه في الحال والاستقبال قلت يلزم لأنه إذا لم يكن في الماضي فوجد يكون حادثا والحادث لا يكون كفوا للقديم كذا في شرح المشارق لابن ملك فإذا ثبت ان الألوهية والربوبية للّه تعالى وانه لا يجانسه ولا يشاركه شئ من المخلوقات ثبتت العبودية والمربوبية للعبد وان من شأنه ان لا يعبد شيأ من الأجسام والأرواح ولا يتقيد بشئ من العلويات والسفليات بل يخص عبادته باللّه تعالى ويجرد توحيده عن هواه قال على رضى اللّه عنه قيل للنبي عليه السلام هل عبدت وثنا قط قال لا قيل هل شربت خمرا قط قال لا وما زلت اعرف ان الذي هم اى الكفار عليه كفر وما كنت أدرى ما الكتاب ولا الايمان فهذا من آثار حسن الاستعداد حيث استغنى عن البرهان بقاطع العقل فليتبع العاقل اثر متبوعه المصطفى عليه