الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

299

تفسير روح البيان

للعملة انْفُخُوا على زبر الحديد بالكير والنار حَتَّى إِذا جَعَلَهُ اى المنفوخ فيه وهو زبر الحديد ناراً كالنار في الحرارة والهيئة واسناد الجعل المذكور إلى ذي القرنين مع أنه فعل الفعلة للتنبيه على أنه العمدة في ذلك وهم بمنزلة الآلة قالَ للذين يتولون امر النحاس من الإذابة ونحوها آتُونِي قطرا اى نحاسا مذابا أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً الإفراغ الصب اى اصبب على الحديد المحمى قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه واسناد الإفراغ إلى نفسه للسر الذي وقفت عليه آنفا بهر روى فرشى بر انگيختند * برو روى حل كرده مىريختند فَمَا اسْطاعُوا بحذف تاء الافتعال تخفيفا وحذرا من تلاقى المتقاربين وقال في برهان القرآن اختار التخفيف في الأول لان مفعوله حرف وفعل وفاعل ومفعول فاختير فيه الحذف والثاني مفعوله اسم واحد وهو قوله نقبا انتهى والفاء فصيحة اى فعلوا ما أمروا به من إيتاء القطر فافرغ عليه فاختلط والتصق بعضه ببعض فصار جبلا صلدا اى صلبا أملس فجاء يأجوج ومأجوج فقصدوا ان يعلوه وينقبوه فما قدروا أَنْ يَظْهَرُوهُ ان يعلوه بالصعود لارتفاعه وملاسته وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً اى وما قدروا ان ينقبوه ويخرقوه من أسفله لصلابته وثخانته وهذه معجزة عظيمة لان تلك الزبر الكثيرة إذا اثرت فيها حرارة النار لا يقدر الحيوان على أن يحوم حولها فضلا عن النفخ فيها إلى أن تكون كالنار أو عن إفراغ القطر عليها فكأنه سبحانه صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك المباشرين للأعمال فكان ما كان واللّه على كل شئ قدير كذا في الإرشاد أخذا عن تفسير الامام يقول الفقير ليس ببعيد ان يكون المباشرة بالنفخ والصب من بعيد بطريق من طرق الحيل ألا ترى ان نار نمرود لما كانت بحيث لا يقرب منها أحد عملوا المنجنيق فالقوا به إبراهيم عليه السلام فيها وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ان رجلا أخبره به اى بالسد فقال ( كيف رأيته ) قال كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء قال ( قد رأيته ) وذلك لان الطريقة الحمراء من النحاس والسوداء من الحديد قالَ ذو القرنين هذا السد رَحْمَةٌ عظيمة ونعمة جسيمة مِنْ رَبِّي على كافة العباد لا سيما على مجاهديه وفيه إيذان بأنه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق عادة بل هو احسان الهى محض وان ظهر بمباشرتى فَإِذا جاءَ [ پس چون بيايد ] وَعْدُ رَبِّي مصدر بمعنى المفعول وهو يوم القيامة والمراد بمجيئه ما ينتظم مجيئه ومجيئ مباديه من خروجهم وخروج الدجال ونزول عيسى ونحو ذلك جَعَلَهُ اى السد الشار اليه مع متانته دَكَّاءَ أرضا مستوية وقرئ دكا اى مدكوكا مستويا بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك وفيه بيان لعظم قدرته تعالى بعد بيان سعة رحمته وَكانَ وَعْدُ رَبِّي اى وعده المعهود أو كل ما وعد به حَقًّا ثابتا لا محالة واقعا البتة وفي التأويلات النجمية وفي قوله هذا إلى آخر الآية دلالة على نبوته فإنه اخبر عن وعد الحق وتحقيق وعده وهذا من شان الأنبياء واعجازهم انتهى وهذا آخر حكاية ذي القرنين قيل إن يأجوج ومأجوج يحقرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون الشعاع قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرون غدا ولم يستثن فيعيده اللّه كما كان فيأتون غدا فيجدونه كالأول فإذا أراد اللّه خروجهم خلق فيهم رجلا مؤمنا