الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
199
تفسير روح البيان
بحر الحقيقة كوشفوا بهوية الحق تعالى وإذا استغرقوا في بحر الهوية وابقوا ببقاء الألوهية عرفوا اللّه باللّه فإذا كان هذا حال الولي فكيف حال من يقول علمت ما كان وما سيكون واعلم أن الروح الإنساني وهو أول شئ تعلقت به القدرة جوهرة نورانية ولطيفة ربانية من عالم الأمر وعالم الأمر هو الملكوت الذي خلق من لا شئ وعالم الخلق هو الملك الذي خلق من شئ كقوله تعالى أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما خلق اللّه من شئ والعالم عالمان يعبر عنهما بالدنيا والآخرة والملك والملكوت والشهادة والغيب والصورة والمعنى والخلق والأمر والظاهر والباطن والأجسام والأرواح ويراد بهما ظاهر الكون وباطنه فثبت بالآية ان الملكوت الذي هو باطن الكون خلق من لا شئ إذ ما عداه من الملك خلق من شئ واما قوله صلى اللّه عليه وسلم ( أول ما خلق اللّه جوهرة . وأول ما خلق اللّه روحي . وأول ما خلق اللّه العقل . وأول ما خلق اللّه القلم ) وقول بعض الكبراء من الأئمة ان أول المخلوقات على الإطلاق ملك كروبى يسمى العقل وهو صاحب القلم وتسميته قلما كتسمية صاحب السيف سيفا كما قيل لخالد بن وليد رضى اللّه عنه سيف اللّه وهو أول لقب في الإسلام وقول اللّه تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا وقد جاء في الخبر ( ان الروح ملك يقوم صفا ) فلا يبعد ان يكون هذا الملك العظيم الذي هو أول المخلوقات هو الروح النبوي فان المخلوق الأول مسمى واحد وله أسماء مختلفة فبحسب كل صفة فيه سمى باسم آخر ولا ريب ان أصل الكون كان النبي عليه السلام لقوله ( لولاك لما خلقت الكون ) فهو أولى ان يكون أصلا وما سواه أولى ان يكون تبعا له لأنه كان بالروح بذر شجرة الموجودات فلما بلغ أشده وبلغ أربعين سنة كان بالجسم والروح ثمرة شجرة الموجودات وهي سدرة المنتهى فكما ان الثمرة تخرج من فرع الشجرة كان خروجه إلى قاب قوسين أو أدنى ولهذا قال ( نحن الآخرون السابقون ) يعنى الآخرون بالخروج كالثمرة والسابقون بالخلق كالبذر فيلزم من ذلك ان يكون روحه صلى اللّه عليه وسلم أول شئ تعلقت به القدرة وان يكون هو المسمى بالأسماء المختلفة فباعتبار انه كان درة صدف الموجودات سمى درة وجوهرة كما جاء في الخبر ( أول ما خلق اللّه جوهرة ) وفي رواية ( درة فنظر إليها فذابت فخلق منها كذا وكذا ) وباعتبار نورانيته سمى نورا وباعتبار وفور عقله سمى عقلا وباعتبار غلبات الصفات الملكية عليه سمى ملكا وباعتبار انه صاحب القلم سمى قلما وكيف يظن به عليه السلام انه لم يكن عارفا بالروح والروح هو نفسه وقد قال ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) والأرواح كلها خلقت من روح النبي صلى اللّه عليه وسلم وان روحها أصل الأرواح ولهذا سمى أميا اى انه أم الأرواح فكما كان آدم عليه السلام أبا البشر كان النبي عليه السلام أبا الأرواح وأمها كما كان آدم أبا وحوا أمها وذلك ان اللّه تعالى لما خلق روح النبي عليه السلام كان اللّه ولم يكن معه شئ الا روحه وما كان شئ آخر حتى ينسب روحه اليه أو يضاف اليه غير اللّه فلما كان روحه أول باكورة أثمرها اللّه تعالى بايجاده من شجرة الوجود وأول شئ تعلقت به القدرة شرفه بتشريف إضافته إلى نفسه تعالى فسماه روحي كما سمى أول بيت من بيوت