الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

160

تفسير روح البيان

غيره ضاع سعيه وانه رأس كل حكمة وملاكها ومن عدمه لم ينفعه علومه وحكمه وان بدّ فيها أساطين الحكماء وحك بيافوخه عنان السماء وما اغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين اللّه أضل من النعم وقدرتب عليه ما هو عائدة الإشراك في الدنيا حيث قيل فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا ورتب عليه هاهنا نتيجته في العقبى فقيل فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً تلوم نفسك وتذمك وتلومك الناس والملائكة مَدْحُوراً مطرودا مبعدا من رحمة اللّه ومن كل خير وهو تمثيل فإنه تعالى شبه من أشرك باللّه استحقارا له بخشبة يأخذها آخذ في كفه فيطرحها في التنور فالتوحيد أصل الحسنات والشرك أصل السيئات قال أهل التحقيق ان كلمة لا اله الا اللّه إذا قالها الكافر تنفى ظلمة الكفر وتثبت في قلبه نور التوحيد وإذا قالها المؤمن تنفى عنه ظلمة النفس وتثبت في قلبه نور الوحدانية وان من قالها في كل يوم الف مرة فبكل مرة تنفى عنه شيأ لم تنفه المرة الأولى ومقام العلم باللّه لا ينتهى إلى الأبد قال تعالى وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً اى برادر بي نهايت در كهيست * هر كجا كه ميرسى باللّه مأيست قال يحيى بن معاذ رحمه اللّه ما طابت الدنيا الا بذكرك ولا الآخرة الا بعفوك ولا الجنة الا بلقائك وفي الحديث ( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر اللّه وما والاه وعالم أو متعلم ) والتوحيد اثبات الوحدة فأهله على الكمال من يفر من الكثرة إلى الوحدة قال الشيخ أبو الحسن رحمه اللّه سمعت وصف ولىّ في جبل فبت عند باب صومعته ليلة فسمعته يقول الهى ان بعض عبادك طلب منك تسخير الخلق فأعطيته مراده وانا أريد منك ان لا يحسنوا معاملتهم معي حتى لا التجئ الا إلى حضرتك حققنا اللّه وإياكم بحقائق هذا المقام وشرفنا بالفرار كل لحظة إلى جنابه العلام ومعنى الفرار إيثاره تعالى على ما سواه لان علو الهمة انما يظهر فيه - حكى - ان سلطانا كان يحب واحدا من وزرائه أكثر من غيره فحسدوه وطعنوا فيه فأراد السلطان ان يظهر حاله في الحب فأضافهم في دار مزينة بأنواع الزينة ثم قال ليأخذ كل منكم ما أعجبه في الدار فاخذ كل منهم ما أعجبه من الجواهر والمتاع وأخذ الوزير المحسود السلطان وقال ما أعجبني الا أنت : قال الحافظ كداى كوى تو از هشت خلد مستغنيست * أسير عشق تو از هر دو كون آزادست « 1 » يعنى ان العاشق الصادق لا يختار الا المعشوق ويصير حرا عن هوى غيره على كل حال أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً خطاب للقائلين بان الملائكة بنات اللّه وكان المشركون يستنكفون من البنات فيختارون لأنفسهم الذكور ومع ذلك ينسبون اليه تعالى الإناث فأنكر اللّه ذلك منهم . والاصفاء بالشيء جعله خالصا والهمزة للانكار والفاء للعطف على مقدر يفسره المذكور وعبر عن البنات بالإناث إظهارا لجهة خساستهن لان الأنوثة اخس أوصاف الحيوان . والمعنى أفضلكم على جنابه فخصكم بأفضل الأولاد على وجه الخلوص وآثر لذاته أخسها وأدناها كما في قوله تعالى أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى اى هذا خلاف الحكمة وما عليه عقولكم وعادتكم فان العبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب ويكون

--> ( 1 ) فلم أجد في المتنوى فليراجع