الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

153

تفسير روح البيان

ولكن قال الشيخ الكامل محمد بن علي العربي قدس سره اعلم أن قول أويس ينبه على مقامه الأعلى وقطيته المثلى لان ذلك القول معرب عن حال امام الوقت فيعطى ما ملك ويتضرع هذا التضرع لمن استخلفه على عبيده بالرحمة لهم والشفقة عليهم والمكمل من سبقت رحمته غضبه كما اخبر اللّه سبحانه عن أكمل الخلفاء وسيد الأقطاب بقوله وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ولكن العارف إذا كان صاحب حال مثل الحلاج فرق بين نفسه ونفس غيره فعامل نفسه بالشدة والقهر والعذاب ونفس غيره بالإيثار والرحمة والشفقة . واما إذا كان صاحب مقام وتمكين وقوة بان عرف الفرق بين الحال والمقام صارت نفسه عنه أجنبية وارتفع هو علويا وبقيت مع أبناء جنسها سفلية فلزمه العطف عليها كما لزمه العطف على غيرها لان أدب العارف من ذي الولاية انه إذا خرج بصدقة ولقى أول مسكين يليق لدفع الصدقة اليه يدفعها اليه البتة فإذا تركه إلى مسكين آخر ولم يدفع للأول فقد انتقل من ربه إلى هوى نفسه فإنها مثل الرسالة لا يخص بالدعوة شخصا دون شخص فأول من يلقاه يقوله قل لا اله الا اللّه فالولي الكامل خليفة الرسول فإذا وهب الباري للولي رزقا يعلم أنه مرسل به إلى عالم النفوس الحيوانية فينزل من سماء عقله إلى ارض النفوس ليؤدى إليهم ذلك القدر الذي وجه به فأول نفس تستقبله نفسه لا نفس غيره لان نفوس الغير ليست متعلقة به فلا تعرفه . واما نفسه فمتعلقة به ملازمة بابه فلا يفتحه الا عليها فتطلب أمانتها فيقدمها على غيرها بالإعطاء لأنها أول سائل والى هذا السر أشار الشارع صلى اللّه عليه وسلم بقوله ( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ) والأقربون أولى بالمعروف لتعلقهم بك ولزومهم بابك ولا تعلق للغير بك ولا له ملازمة نفسك وأهلك فلما تأخروا أخروا كسائر اسرار اللّه تعالى متى خرج من عند الحق على باب الرحمة فأي قلب وجد سائلا متعرضا دفع اليه حظه من الاسرار والحكم على قدر ما يراقبه من التعطش والجوع والذلة والافتقار وهم خاصة اللّه وعلى هذا المقام حرض الشارع بقوله ( تعرضوا لنفحات اللّه سبحانه ) وهذا سر الحديث ومراد الشرع فمن تأخر اخر ومن نسي نسي فانظر الآن كم بين المنزلتين والمقامين ثم انظر أيضا إلى هذا المقام على علوه وسموه كيف اشترك في الظاهر مع أحوال العامة فإنهم أول ما يجودون فعلى نفوسهم ثم إلى غيرها وانما تصرفهم تحت حكم هذه الحقيقة وهم لا يشعرون وبعماهم عن هذه الاسرار ونزولهم إلى حضيض البهائم بحيث لا يعرفون مواقع اسرار العالم مع اللّه حرصوا على الإيثار ومدحوا به وهو مقام الحلاج الذي ذكر عنه وظننت انه غاية في الترقي والعلو وهكذا فلتعزل الحقائق وتحاك حلل الدقائق أهم كلام الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر والمسك الأذفر قدس سره الأطهر وَلا تَقْتُلُوا يا معشر العرب أَوْلادَكُمْ [ فرزندان شما ] خَشْيَةَ إِمْلاقٍ مخافة الفقر ولا لغير مخافته الا ان الحال اقتضت ذلك يقال املق افتقر وقتلهم أولادهم وادهم بناتهم مخافة الفقر اى دفنها حية فنهاهم اللّه تعالى عنه وضمن لهم أرزاقهم فقال نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ لا غيرنا [ پس غم روزى ايشان مخوريد كه هر كرا أو جان دهد نان دهد ] : سعدى خداوند كارى كه عبدي خريد * بدارد فكيف آنكه عبد آفريد