الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
142
تفسير روح البيان
بسيئته فهو في الحقيقة انتفاع بحسنة نفسه وتضرر بسيئته فان جزاء الحسنة والسيئة اللتين يعملهما العامل لازم له وانما الذي يصل إلى من يشفع جزاء شفاعته لا جزاء أصل الحسنة والسيئة وكذلك جزاء الضلال مقصور على الضالين وما يحمله المضلون انما هو جزاء الإضلال لا جزاء الضلال وقوله وَلا تَزِرُ إلخ تأكيد للجملة الثانية وانما خص بها قطعا للأطماع الفارغة حيث كانوا يزعمون أنهم لم يكونوا على الحق فالتبعة على أسلافهم الذين قلدوهم والتبعة ما يترتب على الشيء من المضرة ويتفرع عليه من العقوبة * وقال الكاشفي [ وليد بن مغيره كافرانرا ميگفت متابعت من كنيد ومن گناهان شما را بردارم حق سبحانه وتعالى ميفرمايد كه هر نفسي بار خود خواهد برداشت نه بار ديگرى ] هذا وقد قال بعضهم المراد بالكتاب نفسه المنتقشة بآثار اعماله فان كل عمل يصدر من الإنسان خيرا أو شرا يحدث منه في جوهر روحه اثر مخصوص الا ان ذلك الأثر يخفى ما دام الروح متعلقا بالبدن مشتغلا بواردات الحواس والقوى فإذا انقطعت علاقته عن البدن قامت قيامته لان النفس كانت ساكنة مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي فيزول الغطاء وينكشف الأحوال ويظهر على لوح النفس نقش كل شئ عمله في مدة عمره وهذا معنى الكتابة والقراءة بحسب العقل وانه لا ينافي ما ورد في النقل بل يؤيد هذا المعنى ما روى عن قتادة يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا ثم المراد بالقيامة على هذا التفصيل هي القيامة الصغرى لكن هذا الكلام أشبه بقواعد الفلسفة كما في حواشي سعدى المفتى * يقول الفقير لا يخفى ان الآخرة جامعة للصورة والمعنى فللانسان صحيفتان صحيفة عمله التي هي الكتاب وصحيفة نفسه فكل منهما ناطق عن عمله وحاله كما قال في التأويلات النجمية يجوز ان يكون هذا الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها نسخة نسخها الكرام الكاتبون بقلم اعماله في صحيفة أنفاسه من الكتاب الطائر الذي في عنقه ولهذا يقال له اقْرَأْ كِتابَكَ اى كتابتك التي كتبتها كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً فان نفسك مرقومة بقلم أعمالك اما بر قوم السعادة أو بر قوم الشقاوة من اهتدى إلى الأعمال الصالحة فإنما يهتدى لنفسه فيرقمها بر قوم السعادة ومن ضل عنها بالأعمال الفاسدة فإنما يضل عليها فيرقمها بر قوم الشقاوة وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى اى لا يرقم راقم بقلم أوزاره نفس غيره وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ اى وما صح وما استقام منا بل استحال في عادتنا المبنية على الحكم البالغة ان نعذب أحدا من أهل الضلال والأوزار اكتفاء بقضية العقل حَتَّى نَبْعَثَ إليهم رَسُولًا يهديهم إلى الحق ويردعهم عن الضلال ويقيم الحجج ويمهد الشرائع قطعا للمعذرة وإلزاما للحجة وفيه دلالة على أن البعثة واجبة لا بمعنى الوجوب على اللّه بل بمعنى ان قضية الحكمة تقتضى ذلك لما فيه من المصالح والحكم والمراد بالعذاب المنفي هو العذاب الدنيوي وهو من مقدمات العذاب الأخروي فجوزوا على الكفر والمعاندة بالعذاب في الدارين وما بينهما أيضا وهو البرزخ والبعث غاية لعدم صحة وقوعه في وقته المقدر له لا لعدم وقوعه مطلقا كيف لا والأخروي لا يمكن وقوعه عقيب البعث والدنيوي أيضا لا يحصل الا بعد تحقق ما يوجبه من الفسق