الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
311
تفسير روح البيان
يوسف بروى ] قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ اى الملك القادر الغالب مَسَّنا أصابنا وَأَهْلَنَا وهم من خلفوهم الضُّرُّ الفقر والحاجة وكثرة العيال وقلة الطعام وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ [ وآوردهايم بضاعتى ] مُزْجاةٍ [ اندك وبىاعتبار ] اى مردودة مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقارا لها من أزجيته إذا دفعته وطردته وكانت بضاعتهم من متاع الاعراب صوفا وسمنا وقيل هي الصنوبر والحبة الخضراء وهي الفستق أو دراهم زيوف لا تؤخذ الا بنقصانها فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ فأتم لنا الكيل الذي هو حقنا قال بعضهم أعطنا بالزيوف كما تبيع بالدراهم الجياد ولا تنقصنا شيأ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا تفضل بالمسامحة وقبول المزجاة فان التصدق التفضل مطلقا واختص عرفا بما يبتغى به ثواب اللّه ولذا لا يقال في العرف اللهم تصدق علىّ لأنه لا يطلب الثواب من العبد بل يقال أعطني أو تفضل علىّ وارحمني ثم هذا اى حمل التصدق على المساهلة في المعاملة على قول من يرى تحريم الصدقة على جميع الأنبياء وأهليهم أجمعين واما على قول من جعله مختصا بنبينا عليه السلام فالمراد حقيقة الصدقة إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ يثيب المتفضلين أحسن الجزاء والثواب قال الضحاك لم يقولوا ان اللّه يجزيك لأنهم لم يعلموا انه مؤمن يقول الفقير دخل يوسف في لفظ الجمع سواء شافهوه بالجزاء أولا مع أن الجزاء ليس بمقصور على الجزاء الأخروي بل قد يكون دنيويا وهو أعم فافهم ومن آثار الثواب الدنيوي ما حكى عن الشيخ أبى الربيع أنه قال سمعت امرأة في بعض القرى أكرمها اللّه بشاة تحلب لبنا وعسلا فجئت إليها وحلبت الشاة فوجدتها كما سمعت وسألت عن سببها قالت كانت لنا شاة نتقوّت بلبنها فنزلت علينا ضيف وقد أمرنا بإكرامه فذبحناها له لوجه اللّه تعالى فعوضنا اللّه تعالى هذه الشاة ثم قالت انها ترعى في قلوب المريدين يعنى لما طابت قلوبنا طاب ما عندنا فطيبوا قلوبكم يطب لكم ما عندكم فالاعتقاد الصحيح والنية الخالصة وطيب الخاطر لها تأثير عظيم - حكى - ان السلطان محمود مر على ارض قوم يكثر فيها قصب السكر وكان لم يره بعد فقشر له بعض القصبات فلما مص منه السكر استحسنه والتذ منه في الغاية فخطر بباله ان يضع فيه شيأ من الرسوم كالباج والخراج حتى يحصل له من هذا القصب في كل سنة كذا وكذ فلما مص بعد هذه الخاطرة وجده قصبا يابسا خاليا عن السكر فسمعه من تلك القبيلة شيخ عتيق وقال قدهمّ الملك بان يفعل بدعة وظلما في مملكته أو فعلها فلذلك نفد سكر القصب فاستتاب السلطان في نفسه ورجع عما خطر بباله فلما مصه ثانيا بعد ذلك وجده مملوأ من السكر كما كان فهذا من تأثير النية والهمة ثم إن الصدقة لا تختص بالمال بل كل معروف صدقة ومنها العدالة بين الاثنين والإعانة والكلمة الطيبة والمشي إلى الصلاة وإماطة الأذى عن الطريق ونحوها وكذا النوافل لا تختص عند أهل الإشارة بالصلوات بل تعم كل خير زائد وفي الحديث القدسي ( لا يزال عبدي يتقرب الىّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ) فعلى العاقل الاشتغال بنوافل الخيرات من الصدقات وغيرها : قال السعدي قدس سره يكى در بيابان سكى تشنه يافت * برون از رمق در حياتش نه يافت