الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

309

تفسير روح البيان

رجائي أو اعلم من اللّه بنوع من الإلهام ما لا تعلمون من حياة يوسف - وروى - انه رأى ملك الموت في منامه فسأله عنه فقال هو حي وقيل علم من رؤيا يوسف انه لا يموت حتى يخروا له سجدا - وروى - ان يوسف قال لجبريل أيها الروح الأمين هل لك علم بيعقوب قال نعم وهب اللّه له الصبر الجميل وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم قال فما قدر حزنه قال حزن سبعين ثكلى قال فما له من الاجر قال اجر مائة شهيد وما ساء ظنه باللّه ساعة قط وقال السدى لما أخبره ولده بسيرة الملك أحست نفسه فطمع وقال لعله يوسف فقال يا بَنِيَّ اذْهَبُوا إلى مصر فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ اى تعرفوا من خبرهما بحواسكم فان التحسس طلب الشيء بالحاسة قال في تهذيب المصادر [ التحسس مثل التجسس : آگاهى جستن ] وفي الاحياء بالجيم في تطلع الاخبار وبالحاء في المراقبة بالعين وقال في انسان العيون ما بالحاء ان يفحص الشخص عن الاخبار بنفسه وما بالجيم ان يفحص عنها بغيره وجاء تحسسوا ولا تجسسوا انتهى والمراد بأخيه بنيامين ولم يذكر الثالث وهو الذي قال فلن أبرح الأرض واحتبس بمصر لان غيبته اختيارية لا يعسر إزالتها قال ابن الشيخ فان قلت كيف خاطبهم بهذا اللطف وقد تولى عنهم فالجواب ان التولي التجاء إلى اللّه والشكاية اليه والاعراض عن الشكاية إلى أحد منهم ومن غيرهم لا ينافي الملاطفة والمكالمة معهم في امر آخر انتهى قالوا له البنيامين فلا نترك الجهد في امره واما يوسف فإنه ميت وانا لا نطلب الأموات فإنه أكله الذئب منذ زمان فقال لهم يعقوب وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه واليأس والقنوط انقطاع الرجاء وعن الأصمعي ان الروح ما يجد الإنسان من نسيم الهواء فيسكن اليه وتركيب الراء والواو والحاء يفيد الحركة والاهتزاز فكل ما يلتذ الإنسان ويهتز بوجوده فهو روح قال في الكواشي أصله استراحة القلب من غمه . والمعنى لا تقنطوا من راحة تأتيكم من اللّه انتهى وقرئ من روح اللّه بالضم اى من رحمته التي يحيى بها العباد إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ لعدم علمهم باللّه وصفاته فان العارف لا يقنط في حال من الأحوال اى في الضراء والسراء ويلاحظ قوله تعالى إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً فصنع اللّه عجيب وفرج اللّه قريب وفي الحديث ( الفاجر الراجي أقرب إلى اللّه من العابد القانط ) - وروى - ان رجلا مات فأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام مات ولى من أوليائي فاغسله فجاء موسى عليه السلام فوجده قد طرحه الناس في المزابل لفسقه فقال موسى يا رب أنت تسمع مقالة الناس في حقه فقال اللّه تعالى يا موسى انه تشفع عند موته بثلاثة أشياء لو سأل بها جميع المذنبين لغفرت . الأول أنه قال يا رب أنت تعلم انى وان كنت ارتكبت المعاصي بفعل الشيطان والقرين السوء ولكني كنت أكرهها بقلبي . والثاني انى وان كنت مع الفسقة بارتكاب المعاصي ولكن الجلوس مع الصالحين كان أحب إلى . والثالث لو استقبلني صالح وفاجر كنت اقدم حاجة الصالح وفي رواية وهب بن منبه قال يا رب لو عفوت عنى لفرح أنبياؤك وأولياؤك وحزن عدوك الشيطان ولو عذبتنى لكان الأمر بالعكس ولا ريب ان فرح الأولياء أحب إليك من فرح الأعداء فارحمني وتجاوز عنى قال اللّه تعالى فرحمته فانى غفور رحيم خاصة لمن أقر بالذنب فعلى العاقل ان لا يقنط من رحمة ربه فإنه تعالى