الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

278

تفسير روح البيان

وفي الآية إشارتان . الأولى ان الروح يسعى في خلاص القلب من سجن صفات البشرية ليكون خالصا له في كشف حقائق الأشياء ولم يعلم أنه خلق لصلاح جميع رعايا مملكته روحانية وجسمانية كما قال عليه السلام ( ان في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب ) . والثانية ان اللّه استحسن من الملك إحسانه مع يوسف واستخلاصه من السجن فأحسن اليه بان رزقه الايمان واستخلصه من سجن الكفر والجهل وجعله خالصا لحضرته بالعبودية وترك الدنيا وزخارفها وطلب الآخرة ودرجاتها قال مجاهد اسلم الملك على يده وجمع كثير من الناس لأنه كان مبعوثا إلى القوم الذين كان بين أظهرهم يقول الفقير أيده اللّه القدير إذا كان الإحسان إلى يوسف والإكرام له سببا للايمان والعرفان فما ظنك بمن آسى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذب عنه ما دام حيا وهو عمه أبو طالب فالأصح انه ممن أحياه اللّه للايمان كما سبق في الجلد الأول واعلم أن اللطف والكرم من آثار السعادة الأزلية فلو صدر من الكافر يرجى ان ذلك يدعوه إلى الايمان والتوحيد ويصير عاقبته إلى الفلاح والنجاح ولو صدر من أهل الإنكار أداه إلى الاستسعاد بسعادة التوفيق الخاص كما لا يخفى على أهل المشاهدة قالَ يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ اى ارض مصر فاللام للعهد اى ولنى أمرها من الإيراد والصرف [ يعنى مرا بر آنچه حاصل ولايت مصر باشد از نقود وأطعمه خازن گردان ] إِنِّي حَفِيظٌ لها عمن لا يستحقها عَلِيمٌ بوجوه التصرف فيها وذلك أنه لما عبر رؤيا الملك واخبر بإتيان السنين المجدبة قال له فما ترى يا يوسف قال تزرع زرعا كثيرا وتأخذ من الناس خمس زروعهم في السنين المخصبة وتدخر الجميع في سنبله فيكفيك وأهل مصر مدة السنين المجدبة وفي بحر العلوم قال له من حقك ان تجمع الطعام في الاهراء فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لاحد قبلك فقال الملك ومن لي بذاك فقال اجْعَلْنِي الآية ولى هر كار را بايد كفيلى * كه از دانش بود با وى دليلي بدانش غايت آن كار داند * چو داند كار را كردن تواند ز هر چيزى كه در عالم توان يافت * چو من دانا كفيلى كم توان يافت بمن تفويض كن تدبير اين كار * كه نابد ديگرى چون من بديدار وذلك لأنه علم في الرؤيا التي رآها الملك ان الناس يصيبهم القحط فخاف عليهم القحط والتلف فأحب أن تكون يداه على الخزانة ليعينهم وقت الحاجة شفقة على عباد اللّه وهي من اخلاق الخلفاء وكانت خدمته معجزة لفراعنة مصر ولهذا قال فرعون زمانه حين بنى الفيوم له هذا من ملكوت السماء وهو أول من دون الدفاتر وعين علوم الحساب والهندسة بأنواع الأقلام والحروف وفي الآية دليل على جواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل واجراء أحكام الشريعة قال العلماء سؤال تولية الأوقاف مكروه كسؤال تولية الامارة والقضاء - روى - ان قوما جاؤوا إلى النبي عليه السلام فسألوه ولاية فقال ( انا لن نستعمل على عملنا من اراده ) وذلك لان اللّه تعالى يعين المجبور ويسدده ويكل الطالب