الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
267
تفسير روح البيان
اذكر لك ما جرى فكتمت الحال فتاب الرجل واستغفر وتضرع إلى الحق واعتدت المرأة ثم جدد العقد عليها ومن رأى الحق تعالى في صورة يردها الدليل لزم ان يعبر تلك الصورة التي توجب النقصان ويردها إلى الصورة الكمالية التي جاء بها الشرع فما لم يكن عليه لا ينسب اليه تعالى كما في الأسماء فما لم يطلق الشرع عليه ما لنا ان ننسبه اليه وتلك الصورة التي ردها الدليل وجعلها مفتقرة إلى التعبير ما في حق حال الرائي يحسب مناسبته لتلك الصورة المردودة أو المكان الذي يراه فيه أو في حقهما معا - حكى - ان بعض الصالحين في بلاد الغرب رأى الحق تعالى في المنام في دهليز بيته فلم يلتفت اليه فلطمه في وجهه فلما استيقظ قلق قلقا شديدا فأخبر الشيخ الأكبر قدس سره بما رأى وفعل فلما رأى الشيخ ما به من القلق العظيم قال له اين رأيته قال في بيت لي قد اشتريته قال الشيخ ذلك الموضع مغصوب وهو حق للحق المشروع اشتريته ولم تراع حاله ولم تف بحق الشرع فيه فاستدركه فتفحص الرجل عن ذلك فإذا هو من وقف المسجد وقد بيع بغصب ولم يعلم الرجل ولم يلتفت إلى امره فلما تحقق رده إلى وقف المسجد واستغفر اللّه ولعل الشيخ علم من صلاح الرائي وشدة قلقه انه ليس من قبيل الرائي فسأله عن المكان الذي رأى فيه فمثل هذا إذا رؤى يجب تأويله . واما إذا كان التجلي في الصورة النورية كصورة الشمس أو غيرها من صور الأنوار كالنور الأبيض والأخضر وغير ذلك أبقينا تلك الصورة المرئية على ما رأينا كما نرى الحق في الآخرة فان تلك الرؤية تكون على قدر استعدادنا فافهم المراتب والمواطن حتى لا تزل قدمك عن رعاية الظاهر والباطن وقد جاء في الحديث ( ان الحق يتجلى بصورة النقصان فينكرونه ثم يتحول ويتجلى بصورة الكمال والعظمة فيقبلونه ويسجدون له ) فمن صورة مقبولة ومن صورة مردودة فما يحتاج إلى التعبير ينبغي ان لا يترك على حاله فان موطن الرؤيا وهو عالم المثال يقتضى التعبير ولذا قال ملك مصر أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ قالُوا استئناف بيانى فكأنه قيل فماذا قال الملأ للملك فقيل قالوا هي أَضْغاثُ أَحْلامٍ تخاليطها اى أباطيلها وأكاذيبها من حديث نفس أو وسوسة شيطان فان الرؤيا ثلاث رؤيا من اللّه ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا مما حدث المرء نفسه على ما ورد في الحديث . والأضغاث جمع ضغث قال في القاموس الضغث بالكسر قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس وأضغاث أحلام رؤيا لا يصح تأويلها لاختلاطها انتهى . والأحلام جمع حلم بضم اللام وسكونها وهي الرؤيا الكاذبة لا حقيقة لها لقوله عليه السلام الرؤيا من اللّه والحلم من الشيطان وإضافة الأضغاث إلى الأحلام من قبيل لجين الماء وهو الظاهر كما في حواشي سعد المفتى وجمعوا الضغث مع أن الرؤيا واحدة مبالغة في وصفها بالبطلان فان لفظ الجمع كما يدل على كثرة الذوات يدل أيضا على المبالغة في الاتصاف كما تقول فلان يركب الخيل لمن لا يركب إلا فرسا واحدا أو لتضمنها أشياء مختلفة من السبع السمان والسبع العجاف والسنابل السبع الحضر والآخر اليابسات فتأمل حسن موضع الأضغاث مع السنابل فله در شأن التنزيل وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ اى المنامات الباطلة التي لا أصل لها بِعالِمِينَ لا لان لها تأويلا ولكن لا نعلمه بل لأنه لا تأويل لها وانما التأويل للمنامات