الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
23
تفسير روح البيان
اى على مشركي مكة آياتُنا القرآنية الدالة على حقيقة التوحيد وبطلان الشرك حال كونها بَيِّناتٍ واضحات الدلالة على ذلك قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا : يعنى [ اميد ندارند ديدار ما را ورسيدن بما ] وهو عبارة عن كونهم مكذبين للحشر قال في التأويلات النجمية فيه إشارة إلى أنه ليس لهم شوق إلى اللّه وطلبه إذ الشوق من شان القلب الحي وقلوبهم ميتة ونفوسهم حية فلما في القرآن مما يوافق القلوب ويخالف النفوس ما قبله أرباب النفوس ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا القرآن المنزل بان لا يكون على ترتيب هذا ونظمه وبان يكون خاليا عما نستبعده من امر البعث والجزاء وعما نكرهه من ذم آلهتنا وتحقيرها أَوْ بَدِّلْهُ بان يكون هذا القرآن المنزل باقيا على نظمه وترتيبه لكن يوضع مكان الآيات الدالة على ما نستبعده ونستكرهه آيات اخر موافقة لطريقتنا كما بدل أحبار اليهود التوراة ورهبان النصارى الإنجيل بما كان موافقا لهواهم ولعلهم سألوا ذلك طمعا في ان يسعفهم إلى إتيانه من قبل نفسه فيلزموه بان يقولوا قدتبين لنا انك كاذب في دعوى ان ما تقرأه علينا كلام الهى وكتاب سماوي أوحى إليك بواسطة الملك وانك تقوله من عند نفسك وتفترى على اللّه كذبا قُلْ ما يَكُونُ لِي اى ما يصح لي ولا يمكنني أصلا أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي اى من قبل نفسي وانما اكتفى بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه امتناع الإتيان بقرآن آخر كذا قال البيضاوي وهو أولى مما في الكشاف . والبيان ان التبديل داخل تحت قدرة الإنسان واما الإتيان بقرآن آخر فغير مقدور عليه للانسان وذلك لان التبديل ربما يحتاج إلى تغيير سورة أو مقدارها واعجاز القرآن يمنع من ذلك كما لا يخفى وهو اللائح بالبال إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ تعليل لما يكون فان المتبع لغيره في امر لم يستبد بالتصرف فيه بوجه اى ما اتبع في شئ الا ما يوحى إلى من غير تغيير له في شئ أصلا على معنى قصر حاله عليه السلام على اتباع ما يوحى اليه لا قصر اتباعه على ما يوحى اليه كما هو المتبادر من ظاهر العبارة كأنه قيل ما افعل الا اتباع ما يوحى الىّ وقد مر تحقيق المقام في سورة الأنعام إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي اى بالتبديل عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو يوم القيامة وفيه إشارة إلى أن التبديل إذا كان عصيانا مستوجبا للعذاب يكون اقتراحه كذلك لأنه نتيجته والنتيجة مبنية على المقدمة فعلم منه ان المؤدى إلى المكروه أو الحرام مكروه أو حرام ألا ترى ان بعض الكيوف التي يستعملها أرباب الشهوات في هذا الزمان مؤد إلى استثقال الصوم الفرض واستثقال امر اللّه تعالى ليس من علامات الايمان تسأل اللّه تعالى ان يجذب عناننا من الوقوع في مواقع الهلاك قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ان لا اتلو عليكم ما أوحى الىّ من القرآن ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ لانى أمي وليس التلاوة والقراءة من شأني كما كان حالي مع جبريل أول ما نزل فقال ( اقرأ قلت لست بقارئ فغطني جبريل ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق فقرأته لما جعلني قارئا ولو شاء اللّه ان لا اقرأه ما كنت قادرا على قرآته عليكم ) - حكى - ان واحدا من المشايخ الأميين استدعى منه بعض المنكرين الوعظ بطريق التعصب والعناد زعما منهم انه لا يقدر عليه فيفتضح لأنه كان كرديا لا يعرف لسان العرب ولا يحسن الوعظ والتذكير فنام بالغم فاذن له صلى اللّه تعالى عليه وسلم في المنام بذلك فلما أصبح جلس