الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
214
تفسير روح البيان
في التجويف الأيسر من القلب الصنوبري تناسب المزاج المركب من العناصر فحصل الارتباط والتأثر والتأثير وتأتى وصول المدد وإذا وضح هذا فاعلم أن القوة الخالية التي في نشأة الإنسان من كونه نسخة من العالم بالنسبة إلى العالم المثالي المطلق كالجزء بالنسبة إلى الكل وكالجدول بالنسبة إلى النهر الذي هو مشرعه وكما أن طرف الجدول الذي يلي النهر متصل به كذلك عالم الخيال الإنساني من حيث طرفه الأعلى متصل بعالم المثال والمثال نوعان مطلق ومقيد . فالمطلق ما حواه العرش المحيط من جميع الآثار الدنيوية والأخروية . والمقيد نوعان نوع هو مقيد بالنوم ونوع غير مقيد بالنوم مشروط بحصول غيبة وفتور ما في الحس كما في الواقعات المشهورة للصوفية وأول ما يراه الأنبياء عليهم السلام انما هو الصور المثالية المرئية في النوم والخيال ثم يترقون إلى أن يروا الملك في المثال المطلق أو المقيد في غير حال النوم لكن مع نوع فتور في الحس وكونهم مأخوذين عن الدنيا عند نزول الوحي انما هو مع بقاء العقل والتمييز ولذا لا ينتقض حينئذ وضوؤهم ولأنهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم لكون بواطنهم محلاة بصفات اللّه متخلقة بأخلاقه مطهرة عن أوصاف البشرية من الحرص والعجز والأمل والضعف وغير ذلك مما فيه نقص ظاهر بالإضافة إلى ذروة الكمال فضلا عن النوم لان النوم عجز وضعف وآفة ولو حلت الآفة قلب النبي لجاز ان يحله سائر الآفات من توهم في الوحي وغفلة عنه وسآمة منه وفزع يمنعه عن واجب عليه قال بعضهم ان اللّه قد وكل بالرؤيا ملكا يضرب من الحكمة الأمثال وقد اطلعه اللّه سبحانه على قصص ولد آدم من اللوح المحفوظ فهو ينسخ منها ويضرب لكل قصة مثلا فإذا نام يمثل له تلك الأشياء على طريق الحكمة لتكون بشارة له أو نذارة أو معاتبة ليكونوا على بصيرة من أمرهم وفي شرح الشرعة ان اللوح المحفوظ في المثال كمرآة ظهر فيها الصور ولو وضع مرآة في مقابلة أخرى ورفع الحجاب بينهما كانت صورة تلك المرآة تتراءى في تلك والقلب مرآة تقبل رسوم العلوم واشتغاله بشهواته ومقتضى حواسه كأنه حجاب مرسل بينه وبين مطالعة اللوح الذي هو من عالم الملكوت فان هبت ريح الرحمة حرك هذا الحجاب ورفع فيتلألأ في مرآة القلب شئ من عالم الملكوت كالبرق الخاطف وقد يثبت ويدوم وما دام متيقظا فهو مشغول بما يورده الحس عليه من عالم الشهادة الا من شاء اللّه تعالى من المؤيدين من عند اللّه تعالى فإذا ركدت الحواس عند النوم وتخلص القلب من شغلها ومن الخيال وكان صافيا في جوهره وارتفع الحجاب وقع في القلب شئ مما في اللوح بحسب صفاته الا ان النوم لا يمنع الخيال عن عمله وحركته فما وقع في القلب من اللوح يبتدره الخيال فيحاكيه بمثال يقاربه وتكون التخيلات أثبت في الحفظ من غيرها فإذا انتبه من النوم لا يتذكر الا الخيال فيحتاج الرائي إلى معبر لينظر بفراسته ان هذا الخيال حكاية أي معنى من المعاني ولهذا السرّ كان من السنة لمن يرى في منامه شيأ ان يقصه على عالم ناصح والرؤيا ثلاثة . أحدها حديث النفس كمن يكون في امر أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر وكالعاشق يرى معشوقه ونحو ذلك . وثانيها تخويف الشيطان بان يلعب بالإنسان فيريه ما يحزنه ومن لعبه به الاحتلام الموجب للغسل وهذان لا تأويل لهما . وثالثها بشرى من اللّه تعالى بان يأتيك ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب