الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

197

تفسير روح البيان

مستفرغين مجهودهم لما اجترأ الملوك على الفساد ولا ضمحل الظلم من بينهم رأسا وبالكلية ومن ثم قال النبي عليه السلام ( لا تزال هذه الأمة تحت يد اللّه وكنفه ما لم يمالئ قرّاؤها أمراءها ) وانما ذكر القراء لأنهم كانوا هم العلماء وما كان علمهم الا بالقرآن ومعانيهم الا بالسنة وما وراء ذلك من العلوم انما أحدثت بعدهم كذا في بحر العلوم للشيخ على السمرقندي قدس سره يقول الفقير أصلحه اللّه القدير ذكر في الاحياء ان من دخل على السلطان بلا دعوة كان جاهلا ومن دعى فلم يجب كان أهل بدعة وتحقيق المقام ان الركون في الآية أسند إلى المخاطبين والمخالطة وإتيان الباب والممالأة إلى العلماء والقراء فكل منها انما يكون مذموما إذا كان من قبل العلماء واما إذا كان من جانب السلاطين والأمراء بان يكونوا مجبورين في ذلك مطالبين بالاختلاط لأجل الانتفاع الديني فلا بأس حينئذ بالمخالطة لان المجبور المطالب مؤيد من عند اللّه تعالى خال عن الأغراض النفسانية بخلاف ما إذا كان مقارنا بالأغراض النفسانية فيكون موكولا إلى نفسه فتختطفه الشياطين نعوذ باللّه تعالى وَأَقِمِ الصَّلاةَ في الأمر بافعال الخير جاء موحدا موجها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الظاهر وان كان المأمور به من حيث المغني عاما وفي النهى عن المحظورات موجها إلى غير الرسول مخاطبا به أمته فهذا من جليل البلاغة القرآنية والمراد بإقامة الصلاة أداؤها وانما عبر عنه بها إشارة إلى أن الصلاة عماد الدين طَرَفَيِ النَّهارِ اى غدوة وعشية وانتصابه على الظرفية لكونه مضافا إلى الوقت فيعطى حكم المضاف اليه وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ منصوب على الظرفية لعطفه على طرفي النهار اى ساعات من الليل وهي الساعات القريبة من النهار فإنه من ازلفه إذا قربه جمع زلفة كغرف جمع غرفة . والمراد بصلاة الغدوة صلاة الفجر . وبصلاة العشية الظهر والعصر لان ما بعد الزوال عشى . وبصلاة الزلف المغرب والعشاء وفيه دلالة بينة على اطلاق لفظ الجمع وهو الزلف على الاثنين فالآية مشتملة على الصلوات الخمس ونظيرها قوله تعالى في سورة ق وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ اى بصلاة الصبح وَقَبْلَ الْغُرُوبِ اى بصلاة العصر والظهر فالعصر أصل في ذلك الوقت والظهر تبع لها كما في تفسير المناسبات وَمِنَ اللَّيْلِ في بعض أوقاته فَسَبِّحْهُ بصلاتي المغرب والعشاء وفسر بعضهم طرفي النهار بالصبح والمغرب وزلف الليل بالعشاء والتهجد فإنه كان واجبا عليه فيوافق قوله وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ أو الوتر على ما ذهب اليه أبو حنيفة أو مجموع العشاء والوتر والتهجد على ما يقتضيه ظاهر صيغة الجمع في زلفا إِنَّ الْحَسَناتِ على الإطلاق لا سيما الصلوات الخمس يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ اى يكفرن الصغائر يعنى لا انها تذهب السيئات نفسها إذ هي قد وجدت بل ما كان يترتب عليها وفي الحديث الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر ويمنعن من اقترافها كقوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ - روى - في سبب النزول ان أبا اليسر الأنصاري كان يبيع التمر فاتته امرأة فأعجبته فقال لها ان في البيت أجود من هذا التمر فذهب بها إلى نحو بيته فضمها إلى نفسه وقبلها وفعل بها كل شئ الا الجماع فقالت له اتق اللّه فتركها وندم فاتى أبا بكر رضى اللّه عنه فأخبره فقال استر على نفسك وتب إلى اللّه تعالى