الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

198

تفسير روح البيان

فلم يصبر فاتى عمر رضى اللّه عنه فقال له مثل ذلك فلم يصبر ثم اتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره بما فعل فقال ( انتظر امر ربى فاستر على نفسك ) فلما صلى صلاة العصر نزلت هذه الآية فقال عليه السلام ( صليت العصر معنا ) قال نعم فقال ( اذهب فإنها كفارة لما فعلت ) فقال الحاضرون من الصحابة ( هذا له خاصة أم للناس عامة ) قال ( بل للناس كافة ) وفي الحديث ( أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من دونه شئ ) قالوا لا قال ( فذلك مثل صلاة الخمس يمحو اللّه بها الخطايا ) واعلم أن الذنوب كلها نجاسات والطاعات مطهرات وبماء أعضاء الوضوء تتساقط الأوزار ولذا كانت الغسالة في حكم النجاسة . ومن هنا أخذ بعض الفقهاء كراهة الصلاة بالخرقة التي يتمسح بها أعضاء الوضوء وقال اللّه تعالى لموسى عليه السلام ( يا موسى يتوضأ احمد وأمته كما امرتهم وأعطيهم بكل قطرة تقطر من الماء جنة عرضها كعرض السماء ) فانظر إلى ما سلبه الوضوء وجلبه : قال الحافظ خوشا نماز ونياز كسى كه از سر درد * بآب ديده وخون جگر طهارت كرد وأحسن الحسنات وأفضل الطاعات العلم باللّه وطريقه التوحيد وخلاف هوى النفس فبذكر اللّه يتخلص العبد من الذنوب وبه يحصل تزكية النفوس وتصفية القلوب وبه يتقوى العبد على طاعة الرحمن ويتخلص من كيد الشيطان قالوا يا رسول اللّه لا اله الا اللّه من الحسنات قال ( هي أحسن الحسنات ) وفي الآية إشارة إلى إدامة الذكر والطاعة والعبادة في الليل والنهار الا ان يكون له ضرورة من الحاجات الانسانية فيصرف بعض الأوقات إليها كطلب المعاش في النهار والاستراحة في الليل فإنه يحصل للقوى البشرية والحواس كلال فيلزم دفعه بالمنام ليقوم في أثناء الليل نشيطا للذكر والطاعة إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ اى ان أنوار الحسنات وهي الأعمال الصالحة والذكر والمراقبة طرفي النهار وزلفا من الليل يذهبن ظلمات سيآت الأوقات التي تصرف في قضاء الحوائج النفسانية الانسانية وما يتولد من الاشتغال بها واعلم أن تعلق الروح النوراني العلوي بالجسد الظلماني السفلى موجب لخسران الروح الا ان تتداركه أنوار الأعمال الصالحة الشرعية فتربى الروح وترقيه من حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية بل إلى الوحدانية الربانية وتدفع عنه ظلمة الجسد السفلى كما أن إلقاء الحبة في الأرض موجب لخسران الحبة الا ان يتداركها الماء فيربيها إلى أن تصير الحبة الواحدة إلى سبعمائة حبة واللّه يضاعف لمن يشاء فعلى العاقل ان يصبر على مشاق الطاعات والعبادات فان له فيها أنوار أو حياة باقية مده براحت فانى حيات باقي را * بمحنت دو سه روز از غم ابد بگريز ذلِكَ اى المذكور من الاستقامة والإقامة وغيرهما ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ اى موعظة للمتعظين فمن امتثل إلى امر اللّه تعالى فاستقام وأقام فقد تحقق بحقيقة الحال والمقام قال بعض الحكماء علامة الذي استقام ان يكون مثله كمثل الجبل لان الجبل له اربع علامات . إحداها ان لا يذيبه الحر . والثانية ان لا يجمده البرد . والثالثة ان لا تحركه الريح . والرابعة ان لا يذهب به السيل فكذا المستقيم إذا أحسن اليه انسان لا يحمله إحسانه على أن يميل اليه بغير الحق كما يفعله أرباب الجاه والمناصب في هذا الزمان فإنهم بالشيء اليسير من الدنيا الواصل إليهم من يد رجل