الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
193
تفسير روح البيان
أَعْمالَهُمْ اللام الأولى موطئة للقسم والثانية جواب للقسم المحذوف ولما بتشديد الميم أصله لمن ما بكسر الميم على أنها من الجارة دخلت على ما الموصولة أو الموصوفة فلما اجتمعت النون ساكنة مع ميم ما وجب ادغامها فقلبت ميما فاجتمع في اللفظ ثلاث ميمات فحذفت إحداهن أولاهن كانت المحذوفة أم وسطاهن على اختلاف الأقوال . والمعنى ان جميعهم لمن الذي أو لمن خلق أو لمن فريق واللّه ليوفينهم ربك أعمالهم من الايمان وسائر الحسنات والكفر وسائر السيئات اى ليعطينهم ويؤدينهم جزاء أعمالهم خيرا أو شرا تاما وافيا كاملا إِنَّهُ اى اللّه تعالى بِما يَعْمَلُونَ اى بما يعمله كل فرد من المختلفين من الخير والشر خَبِيرٌ بحيث لا يخفى عليه شئ من جلائله ودقائقه فيجازى كلا بحسب عمله وتوفية جزاء الطاعات وعد عظيم وتوفية جزاء المعاصي وعيد عظيم فعلى العاقل ان ينتبه من الغفلة ويجانب ما يخالف امر اللّه تعالى فان اللّه تعالى لا يفوته منه شئ بهمه كار بندهء دانا اوست * بمكافات أو توانا اوست واعلم أن الكلمة الإلهية الأزلية سبقت بسعادة أهل الايمان وشقاوة أهل الكفر فهم في قبضتي الكفر والقهر وإمهالهم وتأخيرهم انما هو لاستكمال السعادة والشقاوة لنفوسهم ولغيرهم فكتاب اللّه تعالى هو محك النفوس فمن آمن به وعمل باحكامه فقد كملت سعادته ومن كفر به وترك العمل باحكامه فقد كملت شقاوته وكل واحد من الفريق الأول أهل يقين ونجاة وكل واحد من الفريق الثاني أهل شك وهلاك وعادة اللّه تعالى جارية على تسليط أهل الإنكار على أهل الإقرار لاستخراج ما في معادن نفوسهم من جواهر أوصافه الشريفة كالصبر على الأذى والتحمل على البلاء والحلم على السفهاء والعفو عن الجهلاء والصفح عمن ليس له حياء لكي يتخلقوا بأخلاق اللّه تعالى ويظهر بها صدق عبوديتهم وتفاوت درجاتهم فان المراتب ليست بالدعاوى والأماني بل بالحقائق والمعاني : قال المولى الجامي بي رنج كسى چون نبرد ره بسر گنج * آن به كه بكوشم بتمنا ننشينم قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام قدس سره مباني طريق الصوفية على أربعة أشياء وهي اجتهاد وسلوك وسير وطير فالاجتهاد التحقق بحقائق الايمان والسير التحقق بحقائق الإحسان والطير الجذبة بطريق الجود والإحسان إلى معرفة الملك المنان فمنزلة الاجتهاد من السلوك منزلة الاستنجاء من الوضوء فمن لا استنجاء له لا وضوء له فكذا من لا اجتهاد له لا سلوك له ومنزلة السلوك من السير منزلة الوضوء من الصلاة فمن لا وضوء له لا صلاة له فكذا من لا سلوك له لا سير له وبعده الطير وهو الوصول وأدنى الانتساب في هذا الباب محبة أهل الاجتهاد وتصديق الواصلين إلى سر المبدأ والمعاد ورعاية جانب المتحققين بحقائق القرآن دون العداوة والبغض والشنآن وفي الحديث القدسي ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ) اى أعلمته انى محارب له حيث كان محاربا لي بمعاداة أوليائي فإذا كان معادى الولىّ ورافض علومه محاربا للّه تعالى فما ظنك بمعادى النبي وتارك كتابه ولا يفلح أحد ممن حارب اللّه تعالى ورسوله ووارث رسوله فان اللّه تعالى ذو البطش الشديد فإذا أخذه لم يفلته نسأل اللّه العافية والوفاء والصفاء ونعوذ به