الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
194
تفسير روح البيان
من الخذلان وأهل الجفاء فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ يقول الفقير اى إذا تبين عندك يا محمد أحوال القرون الأولى وان اخوانك الأنبياء ومؤمنيهم تحملوا من قومهم الأذى وصبروا واستقاموا على طريقتهم المثلى إلى أن يأتي امر اللّه تعالى فدم أنت أيضا على الاستقامة على التوحيد والدعوة اليه كما أمرك اللّه تعالى وَمَنْ تابَ مَعَكَ معطوف على المستكن في فاستقم من غير تأكيد بالمنفصل لوجود الفاصل القائم مقامه اى ومن تاب من الشرك والكفر وشاركك في الايمان هو المعنى بالمعية والا فليس لهم مصاحبة له في التوبة عما ذكر إذا الأنبياء معصومون عن الكفر وكذا عن تعمد الكبائر قبل الوحي وبعده بالإجماع لكن الظاهر أن الاشتراك في نفس التوبة يكفى في الاصطحاب ولا يلزم الاشتراك في المتوب عنه وقد كان عليه السلام يستغفر اللّه كل يوم أكثر من سبعين مرة على ما ورد في الحديث كذا في حواشي سعدى المفتى يقول الفقير لعل التوبة في مثل هذا المقام هي الرجوع عن الحالة الأولى ومفارقتها سواء صدر فيها الكفر كسجود الصنم وغيره وهو حال أكثر المؤمنين أو لم يصدر وهو حال الأقلين ومنهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد صح انه عليه السلام شهد بان عليا رضى اللّه عنه لم يكفر باللّه قط طرفة عين مع قوله له في دعوة الإسلام ( وأدعوك إلى الكفر باللات والعزى ) فان هذا القول لا يقتضى كفره رضى اللّه عنه إذ قد يدعى الرجل إلى كفر ما لم يتصف به إذا كان من شأنه الكفر به والإنكار عليه وَلا تَطْغَوْا اى ولا تنحرفوا عما حد لكم بافراط وتفريط فان كلا طرفي قصد الأمور ذميم . وانما سمى ذلك طغيانا وهو تجاوز الحد تغليظا أو تغليبا لحال سائر المؤمنين على حاله . وفي سورة شورى وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ والنهيان متقاربان إذ المراد عدم الاتباع لأهواء أهل الكفر لان في الاتباع الطغيان وفي عدمه الاستقامة المحضة إِنَّهُ اى اللّه تعالى بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ عالم لا يخفى عليه شئ فيجازيكم على ذلك فاتقوه في المحافظة على حدوده وهو في معنى التعليل للامر والنهى وعن بعض الصلحاء وهو أبو على السنوسي رضى اللّه عنه قال رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في النوم فقلت له روى عنك انك قلت ( شيبتنى سورة هود ) فقال نعم فقلت فما الذي شيبك منها أقصص الأنبياء وهلاك الأمم قال لا ولكن قوله فاستقم كما أمرت وذلك لان حقيقة الاستقامة هي الوفاء بالعهود كلها وملازمة الصراط المستقيم برعاية حد التوسط في كل الأمور من الطعام والشراب واللباس في كل امر ديني ودنيوي ترغيب أو ترهيب أو حال أو حكم أو صفة أو معاملة وذلك هو الصراط المستقيم كالصراط المستقيم في الآخرة والتمشى على هذا الصراط الذي يقال لها الاستقامة الاعتدالية عسير جدا كما قال في بحر العلوم الاستقامة على جميع حدود اللّه على الوجه الذي امر اللّه بالاستقامة عليه مما يكاد يخرج عن طوق البشر ولذلك قال عليه السلام ( شيبتنى سورة هود ) ولن يطيق مثل هذه المخاطبة بالاستقامة الا من أيد بالمشاهدات القوية والآثار الصادقة ثم بالتثبت كما قال لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ ثم حفظ وقت المشاهدة ومشافهة الخطاب ولولا هذه المقدمات لتفسخ دون هذا الخطاب ألا تراه كيف قال للأمة ( استقيموا ولن تحصوا ) اى لن تطيقوا الاستقامة التي أمرت بها قيل لمحمد بن فضل حاجة