الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

172

تفسير روح البيان

وعبادته فامرهم شعيب بالتوحيد أولا لأنه ملاك الأمر وقوامه ثم نهاهم عما اعتادوه من النقص في الكيل والوزن لأنه يورث الهلاك فقال وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ اى آلة الوزن والكيل وكان لهم مكيالان وميزانان أحدهما أكبر من الآخر فإذا اكتالوا على الناس يستوفون بالأكبر وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون بالأصغر والمراد لا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود وكذا الصنجات كي تتوسلوا بذلك إلى بخس حقوق الناس ويجوز ان يكون من ذكر المحل وإرادة الحال . والمعنى بالفارسية [ مكاهيد وكم مكنيد پيمانه را در پيمودن مكيلات وترازو را در سنجيدن موزونات ] وكل من البخسين شائع في هذا الزمان أيضا كأنه ميراث من الكفرة الخائنين إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ علة للنهي اى ملتبسين بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف . يعنى [ درمانده ومحتاج نيستيد كه داعى باشد شما را بخيانت بلكه منعم وتوانكريد رسم حق كزارى آنست كه مردم را از مال خود بهره‌مند كنيد نه آنكه از حقوق ايشان باز گيريد ] وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ ان لم ترجعوا عن ذلك النقص عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ لا يشذ منه أحد منكم . والمراد منه عذاب يوم القيامة أو عذاب الاستئصال ووصف اليوم بالإحاطة وهي حال العذاب لاشتماله عليه ففيه اسناد مجازى وأصل العذاب في كلام العرب من العذب وهو المنع وسمى الماء عذبا لأنه يمنع العطش والعذاب عذابا لأنه يمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه ويمنع غيره من مثل فعله وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إيفاء الحق إعطاؤه تاما كاملا اى اسعوا في إعطاء الحق على وجه التمام والكمال بحيث يحصل لكم اليقين بالخروج عن العهدة بِالْقِسْطِ حال من فاعل أو فوا اى ملتبسين بالعدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان فان الزيادة في الكيل والوزن وان كانت تفضلا مندوبا اليه لكنها في الآلة محظورة كالنقص فلعل الزائد للاستعمال عند الاكتيال والناقص للاستعمال وقت الكيل كذا في الإرشاد . وصرح بالإيفاء بعد النهى عن ضده لان النهى عن نقص حجم المكيال وصنجات الميزان والأمر بإيفاء المكيال والميزان حقهما بان لا ينقص في الكيل والوزن وهذا الأمر بعد مساواة المكيال والميزان للمعهود فلا تكرار في الآية كما في حواشي سعدى المفتى وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ مطلقا اى سواء كانت من جنس المكيل والموزون أو من غيره وسواء كانت جليلة أو حقيرة وكانوا يأخذون من كل شئ يباع شيأ كما يفعل السماسرة ويمكنون الناس وينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ العثى أشد الفساد اى ولا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه فنهوا عن ذلك ومن الفساد نقص الحقوق ومن الإفساد قص الدراهم والدنانير وترويج الزيوف ببعض الأسباب وغير ذلك بَقِيَّتُ اللَّهِ اى ما أبقاه اللّه لكم من الحلال بعد ترك الحرام فهي فعيلة بمعنى المفعول واضافتها للتشريف كما في بيت اللّه وناقة اللّه فان ما بقي بعد إيفاء الكيل والوزن من الرزق الحلال يستحق التشريف خَيْرٌ لَكُمْ مما تجمعون بالبخس والتطفيف فان ذلك هباء منثور بل شر محض وان زعمتم ان فيه خيرا كما قال تعالى يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ قال في شرح الشرعة