الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
164
تفسير روح البيان
قال سعدى المفتى أخذ جبريل عمودا من الأرض يابسا فدلكه بين إصبعيه فإذا هي شجرة تهتز فعرفت انه من اللّه تعالى وفي التأويلات النجمية مِنْ أَمْرِ اللَّهِ اى من قدرة اللّه تعالى فان للّه تعالى سنة وقدرة فيجرى امر العوام بسنته وامر الخواص إظهارا للآية والاعجاز بقدرته فاجرى أمركم بقدرته ومثلها امرأة عمران وهي حنة كانت عاقرا لم تلد إلى أن عجزت اى صارت عجوزا ثم حملت بمريم وقد سبق في آل عمران فإذا كان هذا الحمل بقدرة اللّه تعالى خارقا للعادة لم يحتج إلى الحيض ولا يبعد الحيض أيضا في كبر السن كما فسر بعض العلماء قوله تعالى فَضَحِكَتْ بحاضت قيل لما صلب الحجاج عبد اللّه بن الزبير جاءته أمه أسماء بنت أبى بكر الصديق فلما رأته حاضت مع كبر سنها وقد بلغت مائة سنة وخرج اللبن من ثدييها وقالت حنت اليه مراتعه ودرت عليه مراضعه رَحْمَةِ اللَّهِ التي وسعت كل شئ واستبقت كل خير وَبَرَكاتُهُ خيراته النامية المتكاثرة في كل باب التي من جملتها هبة الأولاد حالتان عَلَيْكُمْ لازمتان لكم لاتفارقاكم يا أَهْلَ الْبَيْتِ أرادوا ان هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالانعام به يا أهل بيت النبوة فليست بمكان عجب . والجملة مستأنفة فقيل خبر وهو الأظهر وقيل دعاء وقيل الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لان الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم عليه السلام ومثله في قصة نوح عليه السلام قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وقد سبق إِنَّهُ اى اللّه تعالى حَمِيدٌ فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده لا سيما في حقها مَجِيدٌ كثير الخير والإحسان إلى عباده خصوصا في ان جعل بيتها مهبط البركات وفي التأويلات النجمية حَمِيدٌ على ما يجرى من السنة والقدرة مَجِيدٌ فيما ينعم به على العوام والخواص وأصل المجد في كلامهم السعة قال ابن الشيخ المجد الكرم والمجيد صيغة مبالغة منه وقال الامام الغزالي رحمه اللّه المجيد الشريف ذاته الجميل أفعاله الجزيل عطاؤه ونواله فكان شريف الذات إذا قارنه حسن الفعال سمى مجيدا فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ اى زال الخوف والفزع الذي أصابه لما لم يأكلوا من العجل واطمأن قلبه بعرفانهم بحقيقتهم الملكية وعرفان سبب مجيئهم وَجاءَتْهُ الْبُشْرى بنجاة قومه كما قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ أو بالولد إسحاق كما قال فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وإبراهيم أصل في التبشير كما قال في سورة أخرى فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ يُجادِلُنا اى جادل وخاصم رسلنا لأنه صرح في سورة العنكبوت بكون المجادلة مع الرسل وجيئ بجواب لما مضارعا مع أنه ينبغي ان يكون ماضيا لكونها موضوعة للدلالة على وقوع امر في الماضي لوقوع غيره فيه على سبيل الحكاية الماضية فِي قَوْمِ لُوطٍ في شأنهم وحقهم لرفع العذاب جدال الضعيف مع القوى لا جدال القوى مع الضعيف بل جدال المحتاج الفقير مع الكريم الغنى وجدال الرحمة والمعاطفة وطلب النجاة للضعفاء والمساكين الهالكين وكان لوط ابن أخيه وهو لوط بن آزور ابن آزر وإبراهيم بن آزر ويقال ابن عمه وسارة كانت أخت لوط فلما سمعا بهلاك قوم لوط اغتما لأجل لوط فطفق إبراهيم يجادل الرسل حين قالوا انا مهلكوا أهل هذه القرية فقال أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها قالوا لا قال فأربعون قالوا لا قال فثلاثون قالوا لا حتى بلغ خمسة قالوا لا قال أرأيتم ان كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها