الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

165

تفسير روح البيان

قالوا لا فعند ذلك قال فان فيها لوطا قالوا نحن اعلم بمن فيها لننجينه وأهله إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ غير عجول على الانتقام ممن أساء اليه أَوَّاهٌ كثير التأوه على الذنوب والتأسف على الناس وفي ربيع الأبرار معنى التأوه الدعاء إلى اللّه بلغة توافق النبطية مُنِيبٌ راجع إلى اللّه تعالى بما يجب ويرضى اى كان جداله بحلم وتأوه عليهم فان الذي لا يتعجل في مكافاة من يؤذيه يتأوه اى يقول أوه وآه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الغير وانه مع ذلك راجع إلى اللّه في جميع أحواله اى ما كان بعض أحواله مشوبا بعلة راجعة إلى حظ نفسه بل كان كله للّه فتبين ان رقة القلب حملته على المجادلة فيهم رجاء ان يرفع عنهم العذاب ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة والإنابة كما حملته على الاستغفار لأبيه يقول الفقير دلت الآية على أن المجادلة وقعت في قوم لوط ودلت التفاسير على أنها وقعت في لوط نفسه والمؤمنين معه ولا تنافى بينهما فان عموم الرحمة التي حملته عليها نشأة الأنبياء عليهم السلام لا يميز بين شخص وشخص فان الأمة بالنسبة إلى النبي كالأولاد بالنسبة إلى الأب وكفرهم لا يرفع الرحمة في حقهم ويدل عليه حال نوح مع ابنه كنعان كما وقفت عليه فيما سبق وانما مجيئ البشرى في حق قومه فقط فبقى الألم في حق الغير على حاله واتصال القرابة بين إبراهيم ولوط يقتضى ان يكون قوم لوط في حكم قوم إبراهيم فافهم يا إِبْراهِيمُ على إرادة القول اى قالت الملائكة يا إبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا الجدال بالحلم والرحمة على غير أهل الرحمة إِنَّهُ اى الشان قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ قدره بمقتضى قضائه الأزلي بعذابهم وهو اعلم بحالهم والقضاء هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص والقدر تعلق الإرادة بالأشياء في أوقاتها وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ غير مصروف عنهم بجدال ولا بدعاء ولا بغير ذلك وانك مأجور مثاب فيما جادلتنا لنجاتهم وهذا كما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول ( اشفعوا تؤجروا وليقصنّ اللّه على لسان نبيه ما شاء ) قال ابن الملك في شرح الحديث لا يخفى ان مطلق الشفاعة لا يكون سببا للاجر فيحمل على أن تكون الشفاعة لأرباب الحوائج المشروعة كدفع ظلم وعفو عن ذنب ليس فيه حد انتهى والحد واجب في اللواطة عند الإمامين لأنهما الحقاها بالزنى . وعند أبى حنيفة يعزر في ظاهر الرواية وزاد في الجامع الصغير ويودع في السجن حتى يتوب . وروى عنه الحد في دبر الأجنبية ولو فعل هذا بعبده أو أمته أو منكوحته لا يحد بلا خلاف وفي الشرح الاكملى والظاهر أن ما ذهب اليه أبو حنيفة انما هو استعظام لذلك الفعل فإنه ليس في القبح بحيث يجازى بما يجازى القتل أو الزنى وانما التعزير لتسكين الفتنة الناجزة كما أنه يقول في اليمين الغموس انه لا يجب فيه الكفارة لأنه لعظمه لا يستتر بالكفارة يقول الفقير الظاهر أن إتيان العذاب الغير المردود لاصرارهم على الكفر والتكذيب بعد استبانة الحق واللواطة من جملة أسباب الإتيان كالعقر لناقة اللّه بالنسبة إلى قوم صالح - روى - ان الرسل الذين بشروا إبراهيم خرجوا بعد هذه المجادلة من عنده وانطلقوا إلى قرية لوط سدوم وما بين القريتين أربعة فراسخ فانتهوا إليها نصف النهار فاذاهم بجوار يستقين من الماء فابصرتهم ابنة لوط وهي تستقى الماء فقالت لهم ما شأنكم واين تريدون قالوا أقبلنا من مكان