الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
140
تفسير روح البيان
في الآخر تَغْفِرْ لِي اى وان لم تغفر لي ما صدر منى من السؤال المذكور وَتَرْحَمْنِي بقبول توبتي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ أعمالا بسبب ذلك فان الذهول عن شكر اللّه لا سيما عند وصول مثل هذه النعمة الجليلة التي هي النجاة وهلاك الأعداء والاشتغال بما لا يعنى خصوصا بمبادى خلاص من قيل في شأنه انه عمل غير صالح والتضرع إلى اللّه تعالى في امره معاملة غير رابحة وخسران مبين واعلم أن التوبة والاستغفار والالتجاء إلى الملك الغفار ورد لا ينقطع إلى الموت وفعل يستمر إلى زمان الفوت لان المؤمن لا يزال متقلبا بين التنزلات والترقيات والسالك لا يبرح مبتلى بالاستتار والتجليات والكامل لا ينفك يتدرج إلى غايات مراتب السير في عوالم الصفات والذات . وهذا نوح قد سأل ما سأل ثم تاب . وهذا موسى قد طلب ما طلب ثم أناب والكل جار بقضاء اللّه وقدره فإنه إذا جاء يتعطل العبد عن قواه وقدره : وفي المثنوى اين هم از تأثير حكمست وقدر * چاه مىبينى ونتوانى حذر نيست خود از مرغ پران اين عجب * كو نبيند دام وافتد در عطب اين عجب كه دام بيند هم وتد * كر بخواهد ور نخواهد مىفتد چشم باز وكوش باز ودام پيش * سوى دامى مىبرد با پر خويش ألا ترى إلى نوح عليه السلام فإنه لما ابتدر إلى سؤال ابنه نبه على تركه مرات والإشارة وَنادى نُوحٌ اى نوح الروح رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي اى النفس المتولدة من ازدواج الروح والقالب من أهلي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وذلك ان اللّه تعالى لما أراد بحكمته ان ينزل الأرواح المقدسة العلوية من أعلى عليين جواره وقربه إلى أسفل سافلين القالب قال أرواح الأنبياء والأولياء وخواص المؤمنين يا ربنا والهنا تنزلنا من أعلى مقامات قربك إلى أسفل دركات بعدك ومن عالم البقاء إلى عالم الفناء ومن دار السرور واللقاء إلى دار الحزن والبلاء ومن منزل التجرد والتواصل إلى منزل التوالد والتناسل ومن رتبة الاصطفاء والاجتباء إلى رتبة الاجتهاد والابتلاء فوعدهم اللّه من عواطف إحسانه بان ينجيهم وأهليهم من ورطات الهلاك فكما ان من قضية حكمته ان يكون لنوح أربعة بنين ثلاثة منهم مؤمنون وواحد كافر فكذلك حكمته اقتضت ان يكون للروح أربعة بنين ثلاثة منهم مؤمنون وهم القلب والسر والعقل وواحد كافر وهو النفس فكما كان ثلاثة من بنى نوح معه في السفينة وكان واحد في معزل منه فكذلك ثلاثة من بنى الروح معه كانوا في سفينة الشريعة وكان واحد وهو كافر النفس في معزل منه ومن الدين والشريعة فلما اشرف ولده الكافر على العرق في بحر الدنيا وطوفان الفتن قال رب ان ابني من أهلي وان وعدك الحق وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ يعنى فان أنجيته أو أغرقته أنت اعدل العادلين فيما تفعله لأنك حكيم واحكم الحكماء لا تخلو افعالك من عدل وحكمة أنت اعلم بها قالَ اى الرب تعالى للروح يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ اى من أهل دينك وملتك والأهلية على نوعين أهلية القرابة وأهلية الملة والدين وما نفى هنا أهلية القرابة لتولدها من الروح ثم اظهر علة نفى الأهلية الدينية فقال إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ اى خلق للامارية بالسوء وهذه سيرتها ابدا ثم أدب الروح بآداب أهل القربة فقال فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ اى علم