الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

92

تفسير روح البيان

يكون ما يتكلمه خارجا عن الشريعة واليه يشير قول من قال ما اتخذ اللّه من ولى جاهل ولو اتخذه لعلمه وكما أن الأصحاب ما خرجوا عن حكم النبي عليه السلام كما قال تعالى فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ وقال وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ كذلك أهل الإرادة ما خرجوا عن امر المرشد الكامل إذ الحكم وان كان للّه تعالى في الحقيقة كما نطقت به الآية الا ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو خليفة اللّه تعالى وكذا من ورثه قولا وحالا وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وذلك ان أهل مكة كانوا يستحلون أكل الميتة ويدعون المسلمين إلى أكلها وكانوا يقولون انما ذلك ذبح اللّه فهو أحل مما ذبحتم أنتم بسكاكينكم فانزل اللّه تعالى هذه الآية والمعنى ان تطع الكفار يا محمد لأنهم أكثر من في الأرض يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى دينه وشريعته كأنه قيل كيف يضلون فقيل إِنْ يَتَّبِعُونَ اى ما يتبعون في أمور دينهم ومجادلتهم لك في امر الميتة إِلَّا الظَّنَّ وهو ظنهم ان آباءهم كانوا على الحق فهم على آثارهم يهتدون فيضلون ضلالا مبينا ولا ريب ان الضال المتصدي للارشاد انما يرشد غيره إلى مسلك نفسه فهم ضالون مضلون فان سبيل الحق لا يسلك بالظن والتقليد والهوى وانما يسلك بالصدق والتحقيق والهدى وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ اى ما هم الا يكذبون على اللّه تعالى في تحليل الميتة وغيره إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بعلم مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فيجازى كلا منهم بما يستحقون فاحذر أن تكون من الفريق الأول قال الحدادي وانما قال اعلم لان اللّه يعلم الشيء من كل جهاته وغيره يعلم الشيء من بعض جهاته فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ مسبب عن انكار اتباع المضلين الذين يحرمون الحلال ويحللون الحرام . والمعنى كلوا أيها المؤمنون مما ذكر اسم اللّه تعالى خاصة على ذبحه لا مما ذكر عليه اسم غيره فقط أو مع اسم اللّه تعالى أو مات حتف انفه فان الايمان بالآيات القرآنية يقتضى استباحة ما أحله اللّه والاجتناب عما حرمه وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وأي سبب حاصل لكم في ان لا تأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه قال الامام ان المشركين كانوا يبيحون أكل ما ذبح على اسم اللّه تعالى ولا ينازعون فيه وانما النزاع في انهم أيضا كانوا يبيحون أكل الميتة والمسلمون كانوا يحرمونها وإذا كان كذلك كان ورود الأمر بإباحة ما ذكر اسم اللّه عليه عبثا لأنه يقتضى اثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه فأجاب بان معنى كلوا اجعلوا أكلكم مقصورا على ما ذكر اسم اللّه عليه ومعنى ان لا تأكلوا ان لا تجعلوا أكلكم مقصورا عليه فيفيد تحريم أكل الميتة فقط وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ اى والحال انه تعالى قد بين لكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ مما لم يحرمه بقوله تعالى في هذه السورة قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً الآية فبقى ما عدا ذلك على الحل لا بقوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ الآية لأنها مدنية وهذه السورة مكية فان قلت قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ الآية مذكور بعده هذه الآية وصيغة فصل تقتضى التقدم قلت إن التأخر في التلاوة لا يوجب التأخر في النزول ويجوز ان يحمل على التفصيل بالوحي