الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

90

تفسير روح البيان

رأسه باقة نرجس كأنها رحى عظيمة وعلى قبره مكتوب هذا حبيب اللّه فتيل الغيرة وعلى ورقها مكتوب صفة الإنابة فقرأت ما هو على النرجس مكتوب فسألوني ان أفسره لهم ففسرته فوقع فيهم الطرب فلما أفاقوا وسكنوا قالوا قد كفينا جواب مسألتنا قال ووقع علىّ النوم فما انتبهت الا وانا قريب من مسجد عائشة رضى اللّه عنها وإذا في وعائى باقة ريحان فبقيت معي سنة كاملة لم تتغير فلما كان بعد فقدتها رضى اللّه عنه وعنهم وعن جميع الصالحين أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً الهمزة للانكار والفاء للعطف على مقدر وغير مفعول ابتغى وحكما حال وتقديم المفعول للايذان بان مدار الإنكار هو ابتغاء غيره حكما لا مطلق الابتغاء والحكم أبلغ من الحاكم وأدل على الرسوخ لما انه لا يطلق الا على العادل وعلى من تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم وفي الكلام إرادة القول وإضماره - روى - ان مشركي مكة قالوا يا محمد اجعل بيننا وبينك حكما من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى يفصل بين المحق والمبطل فإنهم قرأوا الكتب قبلك فانزل اللّه هذه الآية وقال قل يا محمد أأميل عن لحق فاطلب غير اللّه تعالى حال كون ذلك الغير قاضيا بيني وبينكم وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ الجملة حال من فاعل ابتغى اى والحال ان اللّه تعالى هو الذي انزل إليكم وأنتم أمة أمية لا تدرون ما تأتون وما تذرون القرآن الناطق بالحق والصواب مُفَصَّلًا اى مبينا فيه الحق والباطل والحلال والحرام وغير ذلك من الاحكام بحيث لم يبق في امر الدين شئ من التخليط والإبهام فأي حاجة بعد ذلك إلى الحكم وهذا كما ترى صريح في ان القرآن الكريم كاف في امر الدين مغن عن غيره بينانه وتفصيله وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ كلام مستأنف غير داخل تحت القول المقدر مبين ان الذين وثقوا بهم ورضوا بحكميتهم من علماء أهل الكتابين عالمون بحقية القرآن ونزوله من عند اللّه تعالى والمعنى وعلماء اليهود والنصارى الذين فهمناهم التوراة والإنجيل يعلمون ان ذلك الكتاب اى القرآن منزل من ربك حال كونه ملتبسا بِالْحَقِّ والصدق وهو بالفارسي [ براستى ودرستى ] وهو متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير المستكن في منزل فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ اى من الشاكين في انهم يعلمون بحقية القرآن لما لا تشاهد منهم آثار العلم واحكام المعرفة فالفاء لترتيب النهى على الاخبار بعلم أهل الكتاب بشأن القرآن وفي انه منزل من ربك بالحق فيكون من باب التوبيخ والالهاب اى الثبات على اليقين كقوله وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فالفاء لترتيب النهى على نفس علمهم بحال القرآن ثم إنه تعالى لما بين كمال الكتاب المذكور من حيث إضافته اليه تعالى بكونه منزلا منه بالحق بين أيضا كماله من حيث ذاته فقال وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عبر عن الكتاب اى القرآن بالكلمة لأنها الأصل في الاتصاف بالصدق والعدل وبها يظهر الآثار من الحكم صِدْقاً وَعَدْلًا مصدران نصبا على الحال اى صادقة وعادلة ومعنى تمامها عبارة عن بلوغها الغاية في كونها كافية في بيان ما يحتاج اليه المكلفون إلى يوم القيامة علما وعملا وفي كونها صدقا وعدلا والمعنى انها بلغت الغاية القاصية صدقا في الاخبار والمواعيد كالخبر عن وجود ذات اللّه تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية وكالخبر عن احكام اللّه تعالى في الوعد والوعيد والثواب